طبيعة السواحل

طبيعة السواحل

السبت، 30 أكتوبر 2010

المعالم الساحلية لسماهيج (5)

مصائد الأسماك (الحضوروالمساكر)

بقلم-جعفريتيم
تعتبر هذه الوسيلة من وسائل وطرق الصيد المعروفة قديماً لدى أهالي المنطقة  التي تطلق عليها حضور ومفردها (حضرة) ومساكر ومفردها (مسكر) , وتعتبرالحضور والمساكر إحدى المعالم الظاهرة للعيان في الساحل الشمال الشرقي التي تُزين سطحه كالنجوم بانتشارها في السماء,  وفي تقرير مسجل في ثلاثينيات القرن الماضي توجد هناك 868 من هذه المصائد بمافيها مصائد الساحل الشمال الشرقي للجزيرة (فحسب تقرير عن مسح اعد عام 1934 فهناك 868 حضرة منتشرة حول الشواطئ في نصف البحرين الشمالي ) (1)  وفي تقرير صادر عن الهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية في البحرين لعام 2009م , يذكر أن عدد مصائد الأسماك الثابتة (الحظور) المنتشرة حول سواحل البحرين تبلغ 1055 حظرة، (2) ,وهذه الطريقة لصيد الاسماك عادتما تكون في المياه الضحلة وتعتمد على ظاهرة المد والجزر مرتين في اليوم الى أن تخطت هذه الظاهرة الساحل ذاته وامتدت في النصف الثاني من القرن الماضي الى منطقة رأس الحد (البلدة المأهولة) في موقع جزر أمواج حالياً وكذلك في الشمال في فشت الجارم ويقوم نصبها في سطح البحر على هندسة وفلسفة معينة لاصطياد الأسماك ومالم تتخذ الشكل الصحيح والمطلوب فإنها لاتؤدي الغرض المطلوب ولذلك فطن الخبراء من البحارة في صناعتها ومن ثم نصبها لكي تتخذ طريقة معينة في نصبها مع مراعاة الاتجاه وسريان الماء في ظاهرة المد والجزر, واهتم الأوال من اجدادنا في صناعتها وهندستها وبدى ذلك واضحاً في كثرتها وانتشارها الواسع على الساحل وتؤرخ صاحبة كتاب جزر البحرين انجلا كلارك مشاهداتها للمصائد (اتجه يسارا واتبع الطريق المحيطة بالمطار التي ستوصلك الى اقصى شمال المحرق وجزر البحرين بشكل عام وبامكانك ان ترى بمحاذاة الشاطئ مصائد السمك (الحضور) (3) وتعتبر هذه الوسيلة مصدر رزق الأهالي في صيد الأسماك وقد تكون مهنة ثانية أخرى لبعض الأفراد كما كانت كذلك قبل طمر البحرفي السنوات الأخيرة (وصيد البحر المحلي مربح ويعيش عليه جزء كبير من سكان الساحل ويصاد السمك بالشباك أو بعمل قضبان حاجزة أوسياج يسمى حظرة ( أوحظيرة) تصنع من الغاب وبعضها يحيط بمساحات واسعة ) (4) ,.وفي يوم نصبها يحملون معهم العدة ومستلزمات البناء وبعض من الأطعمة والشراب والأكلات الشعبية مثل البلاليط والعصيد والنفور... الخ  وكم هي القصص والحكايا التي يحملها البحارة وشباب المنطقة في ذكرياتهم في حين بنائها إذ أن هذه الظاهرة تعبّر عن الجانب الاجتماعي وحالة الألفة التي يتحلى بها أهل القرية الذي عرفته طوال التاريخ  ( ومن صور التعاون بناء الحضور وخاصة ( السر) حيث نجتمع نحن الصبية مقابلين الرجال وكل واحد منا ممسك بحبل يعمل به أحد الرجال في الطرف المقابل , ومايشجعنا على ذلك العمل هي الفواكه التي يقدمها صاحب الحضرة بعد الإنتهاء من السر على أن يكون الأكل فوق السر , وعادة تكون فاكهة العنب , ويذكرني العنب دائماً بعمل الحضور قديماً ) (5)
ولاهمية انتشار هذه المصائد البحرية على طول الساحل لفترات تاريخية فقد دخلت هذه المصائد ضمن الإتفاقيات والمعاهدات السرية بين حكام المنطقة كما حدث بين أمير جزيرة قيس غياث الدين ابن الأمير تاج الدين جمشيد وأمير الدولة العيونية الفضل بن محمد بن أبي الحسين العيوني في عام (606هـ -1209م ) ومن بين الشروط المتعلقة بالمصائد البحرية في الاتفاقية الشرط الخامس أن يكون مافي ظهر الحورة وسماهيج من مساكر السمك الى زوران لأمير جزيرة قيس (6) , ويتبين من خلال النص أن سواحل سماهيج كانت غنية بهذه المصائد والا لما اشترط أمير قيس هذا الشرط , وتتخذ هذه المصائد أسماء معروفة لدى البحارة بعضها يكون موقوف لدى الأوقاف الحسينية للمآتم القرية وبعضها تتبع عوائل معينة للأهالي المنطقة منها ما تقع بالقرب من الساحل وتسمى البريات ومنها ما تبعد عن الساحل في منطقة الحرف والشمال وتسمى البحريات ومن أسماء المصائد المشهورة (الحضور) زبيدة , المغركة, الخيط , الهاشمية , الفدى ومن (المساكر) مسكر مهدي , أولاد حسن ,القوة وغيرها من الحضور والمساكر (7) , وتعتبر مصائد المساكر والحضور هي الوسيلة الثانية لدى أهالي المنطقة بعد طريقة الصيد بالقراقير وتشتهر بصيدها لسمك الصافي والقرقفان والحواكيل وغيرها من الأسماك , الا أنه في خلال الربع الاخير من القرن العشرين ازيلت أغلب هذه المصائد وانخفضت بسبب عمليات الردم والطمر والدفان الذي تعرض له الساحل الشمال الشرقي لجزيرة المحرق ومعظم سواحل البحرين  ماتسبب في حرمان الاهالي من ممارستهم لمهنة الصيد , وفي تقرير صادر من الإدارة العامة لحماية الثروة البحرية والهيئة العامة لحماية الثروة البحرية والبيئة والحياة الفطرية (أن إجمالي عدد الحظور التي تمت إزالتها بسبب أعمال الدفان تبلغ 218 حظرة من إجمالي عدد الحظور المرخصة والبالغ 300 حظرة. وأشار التقرير الذي عُرض على لجنة التحقيق البرلمانية في الدفان البحري، أن المناطق الشمالية شهدت حركة ردم وحفر في المدينة الشمالية، ومرفأ البحرين المالي، وديار المحرق، وجزيرة اللؤلؤ وغيرها، وأن صيد الحظور تأثر في هذه المناطق وتم إزالة 70 حظرة مرخصة عند دفان المدينة الشمالية، كما تمت إزالة 75 حظرة في جد الحاج والقلعة وكرباباد لمشروع المنارة. ولفت التقرير إلى أنه تمت إزالة 11 حظرة خلال دفان مشروع ديار المحرق، و40 حظرة عند ردم جزر أمواج، و22 حظرة في قلالي ) . (8) 


أولاً- الحضور:
وسبب التسمية كما هي شائعة عند البحارة أنها تحضر الأسماك عن الخروج من المصيدة , وتتكون الحضرة على شكل حرف v)) مقلوبة من الأعلى الى الأسفل وتبنى بجريد النخيل بشكل مصفوف ومنتظم وتشد أجزائها بواسطة الحبال في قاع البحر , وفي النصف الثاني من القرن الماضي استخدمت الأسلاك الحديدية الخفيفة مع جريد النخيل وبذلك تطور عمل الحضرة عن السابق بعد أن كان الحرفييِِن يصنعون الحضرة بجريد النخيل والحبال لمدة طويلة من الزمان أصبح صنع الحضرة بمدة أقل بوضع جريد النخيل مع الأسلاك معاً في صناعتها .
وتتميز الحضرة بخصائص معينة فإن الأمر الأساسي في بنيانها أن يكون وضعها منفرج من الاعلى الى الأسفل على شكل (v) إذ انها تتخذ في فكرتها فلسفة وفن هندسي معين في مقابلة الساحل واتجاه (المايه) مياه البحر في أثناء تحول الظاهرة من المد الى الجزر لبقاء الأسماك فيها ويقوم على عمل بناء الحضرة خبراء متخصصون لهم دراية ومعرفة في بناء الحضور وهم معروفين بالأستاذية وقد عرف الكثير منهم قديماً ومهم المرحوم الحاج معيوف ابراهيم والمرحوم الحاج حسن بن سلمان ,وسيد جواد الهويدي وغيرهم من الأساتذه الخبراء في تركيب الحضور.
وتتكون مصيدة الحضرة من ثلاثة أجزاء رئيسية السروالرحاب والمد بالإضافة الى فناء الحضرة وهناك طرق أخرى متنوعة ومختلفة في بناء شكل الحضرة في البحرين وفي عامة سواحل الخليج .


1- السر:-
 وهو رأس المصيدة (الحضرة) ومركزها والمحل المعتمد لاصطياد الأسماك كالكماشة, ويكون في الأعلى بشكل دائري مفتوح في وسطه بمثابة الباب الذي يدخل منه الأسماك في حالة حدوث الجزرويوضع فيه ثلاثة قراقير في الامام وعلى الجانبين ليدخل السمك في القراقير , والسر هو محل استحصال الأسماك ويكون ارتفاعه في العادة أقل من القامة الواحدة وذلك لمايتناسب مع طفو ماء البحر ويصغر حينما يكون ملاصقاً بالساحل و وبحلول ظاهرة الجزر ينخفض منسوب الماء حينئذ تبقى الأسماك في السر ومن ثم اصطياده عن طريق (المسلاة) ويوضع السمك في (المرحلة أو الجراب )المصنوع من سعف النخيل.


 2- الرحاب:-
أحد مكونات الحضرة ويتخذ شكل المستطيل في هندسته بطول عشرة امتار تقريباً يتوسط مابين السر ومابين المد وعرضه خمسة أمتار وارتفاعه متساوي مع السر ويتشكل ذلك برحابين  واحداً على اليمين والثاني على شمال الحضرة وفلسفته انه يجمع الأسماك من الخروج من الحضرة الى ان تتجه الى السر.

3- المد:-
وهو المكون الثالث للحضرة , ويمتد من الاعلى الى الاسفل ولذلك سمي (مد) بشكل متساوي من بدايته الى نهايته ويقل ارتفاع المد عن الرحابين والسرارتفاعه متر واحد تقريباً ,ويتكون هذا الجزء من مدّين متقابلين ( جناحين ) ذات مساحة واسعة , وامتدادهما يجمع الاسماك ويحتويها من الخروج خارج الحضرة على أن تتجه الأسماك بداخل السر.
بالإضافة الى فناء الحضرة (الحوش) وهو فناء واسع يسمح بدخول الأسماك والحيوانات البحرية لكي تمر الى الحضرة وتجول ومن ثم الى السرلعملية الاصطياد (لمباراة) .


ثانياً- المسكر:
مفردها مسكر وجمعها مساكر وهي من المصطلحات البحرية الدارجة لدى أهالي المنطقة , والمسكر أقل بناءً من الحضرة الا أنه في بعض المواسم السنوية خصوصاً موسم الشتاء أكثر استحصالاً للصيد من الحضرة , ويتخذ المسكر خصائص ومميزات بناء الحضرة في الفن والهندسة والاتجاه والشكل الا أن الاختلاف بينهما يظهر في الجزء الثاني و الثالث (الرحاب والمد)  , فبينما تتكون الحضرة من ثلاثة أجزاء أساسية وهي ( السر,الرحاب, المد) فإن المسكر يتشكل من سر ومد طويل دونما وجود سياج من الأسلاك بل يتكون بحجارة كبيرة (صخورمرجانية) توضع متراصه بشكل طولي ذات ارتفاع معين يبلغ نصف المتر ليكون صاداً عن خروج الأسماك من فناء المسكر, هذا بالنسبة للمساكر البعيدة عن الساحل التي يطلق عليها البحريات فإن المساكر التي تبنى بالقرب من الساحل كانت قديماً تبنى بالحجارة بدون جريد النخيل والأسلاك الحديدية وذلك لضحالة المياه الا أن هنالك مساكر شوهدت في السنوات الأخيرة يتكون سرها من الجريد والأسلاك الحديدية لضمان عدم خروج الأسماك منها .

مسكر مهدي
شهد الساحل الشمالي الشرقي لجزيرة المحرق ( سماهيج التاريخية ) لفترات تاريخية سابقة العديد من مصائد المساكر القريبة من الساحل والبعيدة عنه التي تعرف عند البحارة (البحريات والبريات) وقد تعددت هذه المساكر بأسماء ذات شهرة عالية من قبيل أم شنين والجوجب والعقربانة والقرعة وبعضها على أسماء الأسر والعوائل في سماهيج مثل القوة وخرفوش واليتيم والمعلم وأبوسنيدة وغيرها من الأسماء الا أن مسكر واحد من هذه المساكر التاريخية أعتبر عند البحارة من أفضل المساكر في المنطقة وذلك لموقعه الاستراتيجي والجغرافي الذي يمكنه من صيد أكثر حصة من غيره من المساكر الأخرى وهو مسكر (مهدي) أو مايعرف بأولاد مهدي.
ويعتبرمسكر مهدي من أوسع المساكر والحضور البحرية شهرة عند أهالي سماهيج والمنطقة وذلك لكثرة مايصطاده من أسماك خصوصاً سمك الصافي , يقع المسكر بمنطقة الحرف الشريط المرجاني الضحل المعروف في الشمال من حضرة الفسيلة ومن الشمال الغربي للقصار ومن الشرق لحضرة الزين وفي الجنوب من حضرة المعترضة , يعرف بمسكر أولاد مهدي وشهرته (مسكر مهدي) والتسمية الرسمية في إدارة الثروة السمكية  تحت اسم (الشويخ), وللمسكر نظام تناوبي يجري اعتماده سنوياً بين أفراد عائلة المرحوم الحاج مهدي , والمسكر ذاته مضرب المثل للبحارة بوفرة الصيد , يمتاز عن غيره من المصائد على أن ماية الليل تكون لبياض السمك وماية النهارلسمك الصافي , تعرض مؤخراً في السنوات الأخيرة للطمر والتغييب تحت انشاء جزرأمواج وبذلك فقدت المنطقة أحد أهم مظاهرالصيد وأشهرمعالمها التاريخية في الشمال الشرقي من ساحل الجزيرة .

 30-10-2010

__________

1-جزر البحرين , انجلا كلارك – ص(162) ترجمة د.محمد الخزاعي
2- صحيفة الوسط البحرينية عدد (2571)
3- جزر البحرين ,انجلا كلارك - ص (213) ترجمة د.محمد الخزاعي
4- دليل الخليج القسم الجغرافي ,الجزء الأول ص (306)
5- أنظر نشرة الوسيلة –العدد (الخامس) صفحة سماهيجيات,عمود ذكريات.
6- مجلة الوثيقة ,العدد الأول –ص(31)
7- أنظر سماهيج في التاريخ – ص (142-143)
8- صحيفة الوسط البحرينية عدد (2576)

الاثنين، 25 أكتوبر 2010

المعالم الساحلية لسماهيج (4)

الممرات المائية (الأبواب)


بقلم-جعفريتيم
يحيط بالساحل الشمال الشرقي للجزيرة شريط عريض من الصخوروالشعاب المرجانية , لكن كلما اقتربت من الساحل تنتهي هذه الشعاب والصخور ويكون سطح الساحل رملي , وبين هذه الشعاب المرجانية ورمال الساحل توجد مظاهر بيئية بقاع البحر كبيرة في نشأتها وعظيمة في شكلها قد أثرت بشكل مباشر على زيادة النشاط الحضاري والإنساني منذ القدم وعلى مر العصور في هذه النقطة من أرخبيل البحرين , وهذه المظاهر لايعرفها الجميع ولاتكون واضحه للعيان الا لمن تفقد السطح وأبحر فيه من الصيادين والممتهنين للبحروهي عبارة عن ممرات مائيه ضيقه يستخدمها البحارة للخروج والدخول من والى الساحل وهي شبيهة بمعابر الأنهارويطلق عليها البحارة اصطلاحاً (أبواب) أو دروب وهي إحدى المفردات البحرية القديمة التي تعني بمفهومها بالممر المائي أو المعبر (وهي عبارة عن معبر أو نهر بحري من والى يستخدمه البحارة للمرور والتنقل والإبحار) وكل معبر طويل أو قصير يطلق عليه اصطلاحاً (باب) .
 بعض هذه الممرات المائية هي الاساس في تشكيل جغرافية سطح الساحل وبعضها من فكر وهندسة الاوائل من أجدادنا وذلك للحاجة الماسة في ركوب البحر وتسهيل المهام والعوائق لإيجاد ثغرات وفجوات تخرجهم من الساحل في أي وقت يريدون الذهاب فيه بالإضافة الى عامل استراتيجي أمني وهو الدفاع عن المنطقة ,وتستخدم هذه الممرات المائية للعبور بالقوارب والسفن الصغيرة خصوصاً حينما تكون حالة الجزر ظاهرة على السواحل فالاوائل من أجدادنا عرفوا تماماً هذه الفجوات للدخول الى العمق للإبحار وغدت نظاماً يعتمده البحارة بشكل يومي للتنقل من والى الساحل وهناك العديد من الممرات المائية بالقرب من الساحل أهمها وأشهرها على الإطلاق الباب الكبير أو الباب العود كما يطلق عليه البحارة والممتهنين للبحر.


1-الباب العود:
يقع الباب العود في الجهة الغربية من منطقة الشريط الممتدة للصخور والشعاب المرجانية الملامسة لموقع الحرف وهي النقطة السفلى للبندر ويصل بطوله الى الباب الصغير ,ويعد الباب العود من أشهر المعالم والرموز الساحلية للساحل الشمال الشرقي وترتبط بموقع الباب العود العديد من القصص والروايات في بنائه منذ عصور موغله بالقدم ويعتبر من أهم المعابر والممرات المائية ويعتمد عليه البحارة في دخولهم وخروجهم من الساحل في حالة الجزر, ويتميز الباب بهندسة رائعة وجميلة قل نظيرها عن بقية الأبواب فهو بلاشك من أروع ماعمله إنسان هذه المنطقة والذي يدل على النضج الفلسفي والفكري الذي يتمتع به البحارة وتوضح مدى الذوق الرفيع في التخطيط والهندسة الذي وصل اليه الإنسان بما يمتلكه من مواصفات ومميزات فنية رائعة وإبداعية تؤهله أن يدرج في قائمة الإبداع الإنساني والحضاري للتراث القديم في نماذج عجائب الدنيا السبع كما هي الإهرامات وحدائق بابل المعلقة .
للأحاديث والروايات التاريخية المنقولة عن الرواة تحكي أن هذا الممر المائي قد عمل عليه أجدادنا منذ القدم في قص الصخور والأحجار البحرية بحيث يكون بوابة للخروج والدخول من وإلا البندر وبالتالي الإبحار لصيد الأسماك أو لرحلات الغوص والاستخدامات البحرية الأخرى المتعلقة بمهنة البحر، وهناك رواية تقول إن الباب حفر قبل ما يقارب القرن والنصف أي في القرن التاسع عشر الميلادي إلا أن أغلبية الرواة يرون في هذه الرواية الضعف الخبري وأنها لا تصمد أمام استدلالاتهم التاريخية وما نقل لهم من أخبار الماضين من أجدادهم يدل على أن الباب العود له وجود قديم قد قام على هندسته وحفره متخصصون وحرفيون مهرة من أجدادنا الاوائل منذ قرون طويلة بحسب اعتقادهم.
والباب العود في صورته وشكله عبارة عن ممر مائي (نهر بحري) على هيئة انحدار من الأعلى إلى الأسفل ويتضح شكله في حالة الجزر أكثر في طوله وعرضه واتساعه ومضائقه وتكثر فيه التعرجات والمنحنيات ويتميز بقوة اندفاع الماء ممايؤدي الى ملامسة القارب للصخور إذا لم تحسن قيادة القارب مروره فيه ، وبحسب مجموعة من الرواة أن الباب العود شكل بهذه الصورة لأسباب مختلفة أهمها سببين رئيسين الأول احترازي أمني والثاني التخفيف من قوة التيار المائي من جريانه، وعرفت المنطقة قديماً بعدم الاستقرار السياسي وذلك لكثرة الحروب والفتن وتعدد الغارات البحرية على أهالي المنطقة المسالمين وبحسب الرواة أن الأوائل عملوا على المعبر بهذا الشكل أولاً كحصن يخدم الجزيرة من غزوات المعتدين ومانعاً يحميهم من دخول قراصنة البحر، وثانياً كمعبر للقوارب الصغيرة في دخولها وخروجها كما أن المغزى من تضييق فجوة الدروب والمنحنيات لعدم دخول السفن الكبيرة للمعتدي وبالتالي دخولها يعني التمكن من السيطرة على المنطقة، أما كثرت التعرجات والمنحنيات يكمن مغزاها الحقيقي في التخفيف من الأمواج والتيارات المائية المتدفقة من الأعلى العميق إلى الأسفل الأقل عمقاً والمعبر يمتد بمعبر آخر يطلق عليه اصطلاحاً (الباب الصغير) إلى أن يصل لمرسى القوارب الصغير المعروف بالغليل  .


2- الباب الصغير:
يقع الباب الصغير مابين الباب العود وموقع الغليل بشكل طولي ومن الجهة الشرقية يلامس الحرف والجهة الغربية ملامس بطح الساحل ,وهو يعتبر مكمل للباب العود لاتصاله به من الأسفل ويصل بمائه في حالة الجزر بالمنطقة المعروفه بالخريص الواقعه بمرسى الغليل ,وسطحه رملي وتنعدم فيه قوة التيار المائي لانفتاحه على السطح .


3- باب الدير:
وهو ممر صغير بطول مائة قدم تقريباً ويقع في الشمال الغربي للخور (البندر) وتطلق عليه تسميه أخرى تحت مسمى باب أهل الدير كما هو متعارف عليه عند أهالي المنطقة نسبةً الى مستخدميه في العادة وأكثرهم من صيادي وبحارة قرية الديرالمجاورة لسماهيج ويعتبر أقرب معبر للدخول منه الى البحرمن خلال البندر, ولاتبدو التسمية قديمة لهذا الباب بالدير أو اهل الدير بل إنها نشأة لفترات زمنية قريبة بحسب الرواة .

4- باب أم الدخاخين:
يقع في منطقة مليئة وكثيفة بالصخور والشعاب المرجانية في أطراف منطقة الحرف الغربية بين حضرتي الزقاقية (الزكاكية) والهاشمية ويبلغ طوله حوالي المائة قدم .


5- درب حميد:
نسبة الى المرحوم الحاج حميد بن الحاج حسين الحاج والتي أعتاد المسير وهو راكب على حماره ليوصله الى الحضرة المسماة باسمه ,ويبدو أن الدرب لم تكن قديمة كما هي الممرات الأخرى ويعتقد الكثير من البحارة ان منشئها كان في بدايات الستينيات من القرن العشرين , ويبلغ طول الدرب حوالي المائتي وخمسين قدم أو اكثر وموقعها أسفل (سافل) موقع الغليل الى مدخل الحرف .


6-الممرات الداخليه:
وهي عبارة عن ممرات داخليه صغيره لاتتجاوز عدة أمتار في بعض مواقع الساحل والتي كان البحارة يصنعونها بأنفسهم لتهية الدرب والطريق عن الأذى والمشقة والتي يستفاد منها للرسو والعبور من والى كما هي في بعض أطراف موقع الحرف وكذلك في موقع رأس الحد شرقاً من قبيل ممرات وأبواب (الراحة,الحالات,سعادات,كحة ربيع,المرقة,قلالي) وغيرها من الدروب والممرات المترامية والمختلفة بالساحل الشمال الشرقي للمنطقة .

25-10-2010

الأربعاء، 20 أكتوبر 2010

المعالم الساحلية لسماهيج (3)


(العيون والينابيع)

بقلم-جعفريتيم
تُشكِل كثرة المياه وغزارتها ظاهرة طبيعية في الساحل الشمال الشرقي لجزيرة المحرق(سماهيج التاريخية) فهذه الظاهرة تكون واضحة كثيراً في مجمل أرخبيل البحرين إلا أن موقع الساحل المذكور بتنوع مصادره المائية يفوقها كثرة وغزارة , فهناك على سطح الجزيرة الكثير من العيون والآبار الارتوازية وفي المقابل تجد العديد من العيون والجواجب في قاع البحربالقرب من الساحل الا انه وللأسف الشديد مع عمليات الردم والدفان الحاصل للبيئة البحرية قد طمرت معظم هذه العيون والجواجب إذاماقلنا بالكامل .
وفي هذه الظاهرة لاغرابة في ذلك إن تعجب من رؤيتها بعض الرحالة والمستكشفون الأجانب وكتبوا ودونوا عنها الكثيرونقلوا مشاهداتهم الى بلدانهم ,فهذه العيون من فوق سطح الجزيرة ومن تحت قاع البحر كانت لها ارتباط وثيق بحياة القاطنين بالمنطقة منذ قديم الزمان فالقارئ في نصوص الأساطير والملاحم لحضارات بلاد النهرين يلمس بوضوح كيف كان ارتباط وقدسية المياه العذبة بالآلهة وكيف كانت للعيون والمياه الجوفية مكانه خاصة(1).
ومع صغر مساحة أرخبيل البحرين الا ان هذه العيون والكواكب أخذت شهره واسعة لدى الرحالة العرب والكتاب الأجانب في تأليفهم وبحوثهم العلمية والتاريخية,وربما يكون هذا الوصف أفضل وصف وصفت به هذه الظاهرة الطبيعية لأرخبييل البحرين لصاحب كتاب التحفة النبهانية (جزيرة البحرين كثيرة المياه العذبة .ولكثرة ينابيعها البحرية وعيونها البرية كانت في غاية الخصوبة سوى فلاحتها غير متقنة ويوجد في وسط البحر جملة ينابيع عذبة تفور بقوة .فيغوص عليها المستقون فيملؤون منها القرب للسفن ولشرب غالب أهل البلدة وإن من الواقعة على ساحل البحرلمايتدفق ماؤها ويسيل على وجه الأرض .ومنها ماإذا جزر البحر ظهرت فاستقوامنها.وإذامد البحرعلاها.بنحوستة أذرع فيغوصون عليها للإستقاء.) (2)

وأمام ظاهرة الماء الوفيروالغزير ظاهرة طبيعية غريبة أخرى تتمثل بتفجّر المياه العذبة وتدفقها من تحت قاع البحروهي بلاشك آية من آيات الله الكبرى(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (3) والماء العذب لايختلط بالماء المالح وهي الينابيع البحرية التي تطلق عليها اصطلاحاً (الجواجب) بقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا)(4).
وتُعرف سواحل أرخبيل البحرين عن غيرها من سواحل الخليج بكثرة الينابيع البحرية (وعدد الينابيع البحرية المشهورة عندهم بأسماء مخصوصة نحو(25) ينبوعاً غير الصغار والمجهولة الاسم ويبعد بعضها عن البر بنحو (25) ميلاً فأبعد ويعلوها البحر بنحو خمسة أبواع فأكثر . وعدد التي في البحر نحو (200) عين وذلك غير الصغار ) (5)

أولاً:العيون والآبارالارتوازية :
إن لوجود البساتين ومافيها من أشجار النخيل والفواكهة والخضار بهذه الكثافة والشهرة باعث رئيسي , لعله يكون الماء المصدر الطبيعي الذي يغذيها وهذا العنصر الطبيعي ليس بوجوده فحسب بل بكثرة تدفقه وعذوبته ,وربما يكون هو القاعدة الأساس للمعالم في منطقة الشمال الشرقي للجزيرة  فعلى مدى تاريخ المنطقة كان ساكنيها يعتمدون على المياه الجوفيه وهي كثيرة إذا ما قورنت بغيرها من مناطق البحرين بل إن مياه المنطقة تمتاز بغزارتها وتدفقها وصفائها كما يذكر المرحوم التاجر في كتابه عقد اللآل ويوصف مياه سماهيج وتوابعها بعدت أوصاف (مياه جارية, المياه الصافية الدافقة ,ومياه غزيرة ,) (6) ويذكر الكاتب الإنجليزي لومير في كتابه دليل الخليج عن النافورات وخزانات المياه في بستان ريا (يوجد بالحديقة نافورات وخزانات للمياه يمتلكها شيخ البحرين ) (ومياه الشرب من آبار مجاورة عمقها قامتان والمياه مالحة قليلاً) (7).ويعد انتشار العيون الطبيعية في الساحل الشمال الشرقي وسماهيج خاصة سمة بارزة تتسم بها المنطقة حيث كان فيها أكثر من خمسون عيناً (8) وهناك من العيون مايسيل مائها في جداول الى البحر كعين بستان نصر المشهورة بالتينة في شمال شرق سماهيج ويأتي البحارة من خلال قواربهم ويملئون القرب بالماء ومعظم هذه العيون قد طمرت أو اندثرت ومابقيت منها الا عدد بسيط , ومن أسماء العيون المشهورة ريا , نصر, العودة , شاهين وغيرها من العيون المعروفة .

(العين العودة) :
تعتبر من أهم العيون الطبيعية الساحلية للساحل الشمال الشرقي وأشهرها , تقع العين على منحدر في أرض خصبة بالطرف الشمالي للساحل بالحي الشرقي لسماهيج بمحاذات مسجد الشيخ محمد الشمالي كما يسمى المسجد باسمها وذلك لشهرتها, وتعتبر العين العودة المتنفس والرئة التي يتنفس منها أهالي المنطقة وذلك بالإعتماد على مصدر مياهها العذبه في الإستخدامات المنزلية والغسل والتحلية ,ولكبار وشباب القرية أجمل الذكريات مع العين العودة  في الاستجمام والسباحة واللعب بالقرب منها , حيث تعتبر المنطقة المجاورة للعين بمثابة متنَزه للأهالي لماتحويه منطقة العين من سحر وجمال الطبيعة الخلابة , تعرضت العين كما تعرض غيرها من العيون والكواكب الى الإندثار لوقت قريب بسبب الإهمال وعدم الإهتمام وقد غيبت وطمرت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي ولم يزل موقعها معروف بين المسجد والمزرعة .

ثانياً:العيون البحرية (الجواجب).
تُزّين الساحل الشمال الشرقي نافورات طبيعية تخرج من قاع البحر والتي يطلق عليها الأهالي اصطلاحاً (جواجب) وهي عبارة عن مياه عذبة متدفقة من باطن الأرض تخرج من بين الصخور ويزداد الناظر انبهاراً لتدفقها ولعذوبة وصفاء مائها وهي كما يصفها لومير (الينابيع البحرية هي من المعالم الملحوظة بالجزيرة ) (9) أي جزيرة المحرق وتنتشر بالقرب من الساحل مجموعة من الينابيع البحرية التي كانت في السابق المورد الأساسي للشرب مع العيون الداخلية وكان الأهالي يرتادون اليها في حالة الجزر ليأخذوا المزيد من الماء وهي كما يوثقها كتاب سماهيج في التاريخ أكثر من 16 ينبوعاً ومن أشهرها الهيور والعبيد والفوارة والمجتل وغيرها (10) وهناك بالشرق من الساحل بمحاذات قصار جردي ثلاثة ينابيع وهي معروفة لدى الأهالي وليس كما ذكرها لومير ينبوعان فقط ( بجانبه ينبوعان عذبان في البحر يعلو سطح الجزيرة قدمين عن سطح البحر ) (11) وفي شمال قرية الدير المجاورة لسماهيج وبالتحديد بالقرب من جزيرة خصيفة ثلاثة ينابيع عذبة بالإضافة الى وجود ينابيع أخرى تبعد عن الساحل عدة أميال كعين أبوجلب في الشمال وموقعها حالياً بالقرب من جزر أمواج وفي الشرق بمنطقة لخة المحارعين يطلق عليها(الرضمة) وهي في حالة الجزر يكون ارتفاع الماء أقل من باعين ويرى من خلالها فورة الماء العذب يظهر بقوة وبتعبيرأحد الرواة نسمع خرير الماء، وقد اعتاد الغاصة في المرور إليها في وقت الغوص وأخذ الماء بالقُرب .

الظاهرة الغريبة:
لاتقتصرظاهرة وجود العيون البحرية (الكواكب) بالقرب من السواحل بل إنهى تمتد ذلك في عمق البحر الى عدة أميال من الشواطئ في الخليج وكما هي بالقرب من سواحل مدن البحرالمتوسط ( لبنان وسوريا) ولاشك ولاريب فإن هذه الظاهرة آية من آيات الله العظمى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ) تجد الجمال والعظمة ذلك بوضوح في قاع البحروسط الماء المالح الذي ينبهر منه الإنسان وهذه الظاهرة الغريبة والعجيبة مثال تدلّل عليها بعض الآيات القرآنية .
(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا )(12)
(أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ )(13)
(وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(14)
(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ) (15) (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ) (16)


1-كوكب(العود):
يقع في الجهة الشرقية لسماهيج ويطلق عليه الأهالي كوكب العود أي الكبيرممايوضح على انه أكبر الكواكب بالمنطقة , ويعتبر الكوكب الرئيسي في سماهيج وهو مخصص للنساء كما يروي بعض المعمرين والبحارة, ومن الصباح الباكر إذاكانت المايه جزراً (ثبر) تأتي النسوة لتملئ القرب بالماء,ويستخدم مائه لغسل الملابس وتنظيف الاواني المنزليه , أما إذاكانت المايه سقي (مد) فإن النساء يذهبن الى العيون القريبه منه أو الى جدول الماء (الساب) الواقع في الجهة الغربية من القرية ,وفي الآونه الاخيره بعد توفر الماء الى المنازل أستخدمت الجواجب للإستحمام .
2-كوكب العبيد:
وموقعه بالشرق من الساحل على مسافة قريبه من كوكب العود في الجنوب , يعرف (بكوكب العبيد) لكثرت مايتررد عليه(عبيد) خدم الطبقة البرجوازية والأرستقراطية وبعض تجارالؤلؤ من قبيل عوائل بن صقر وشاهين والمؤيد وغيرهم من العوائل التي كانت تترد على منطقة سماهيج في نهاية القرن التاسع عشر وفي بداية القرن العشرين ,وبحسب بعض كبار السن والبحارة في شهاداتهم يوضحون أنه لم تعرف لهذا الجوجب المذكور تسميه أخرى .

ذكريات الكواكب:
مع أخذ الماء للشرب والإستخدامات المنزلية وغسل الأواني والملابس كانت للاهالي ارتباطات أخرى مع هذه الينابيع البحرية خصوصاً الصبية والشباب ومع ذكريات لاتنسى مع هذه العيون الطبيعية للإستحمام واللعب والكشتات الجماعية وأخذ الصورالجماعية حيث كان الأولاد خصوصاً أيام العطل الأسبوعية والسنوية في موسم الصيف يذهبون اليها للتنزه والاستجمام ولهذا كان ارتباط الناس بهذه المصادر الجوفية ارتباط اجتماعي معيشي من جهة ونفسي وترفيهي من جهة أخرى الا انه في ثمانينيات القرن الماضي دفنت هذه الينابيع مع الساحل ولم يبقى منها شيئ يذكر .

____________
1-تاريخ البحرين في العصور القديمة ص (41,162) د.بتركورنوول ترجمة د.محمد الخزاعي .
2-التحفة النبهانية – ص (21)
3-سورة فصلت آية رقم  ( 53)
4- سورة الفرقان آية رقم (53)
5-التحفة النبهانية- ص (22)
6- عقد اللآل في تاريخ أوال /الشيخ محمد علي التاجر– ص(44)
7- دليل الخليج الجزء الرابع الجغرافي -ص (1608)
8- سماهيج في التاريخ – ص (104)
9- دليل الخليج /الجزء الرابع الجغرافي ص(1604-1605)
10- سماهيج في التاريخ – ص(107)
11- دليل الخليج الجزء الرابع الجغرافي ص (1605)
12- سورة الفرقان آية رقم (53)
13- سورة النمل في الآية رقم (61)
14- سورة فاطر الآية رقم (12)
15-سورة الرحمن آية رقم (19)
16-سورة الرحمن آية رقم (20)

20-10-2010

الاثنين، 18 أكتوبر 2010

المعالم الساحلية لسماهيج (2)

(الحرف والغليل)
بقلم-ٍٍ جعفريتيم
أولاً:منطقة الحرف
من أهم مظاهر السطح للساحل الشمال الشرقي وهي عبارة عن شريط ممتد  من الصخور والأعشاب المرجانية ذات رقعة واسعة تبلغ طولها حوالي كيلو متر وعرضها نصف الكيلو وموقع الحرف في الجهة الشرقية من الساحل المقابل لقرية سماهيج , يحده من الشمال البندر (مرفأ ريا) الملامس لحضرة المرادي ويطلق على هذه البقعة بالحرف العالي (الشمالي) ومن الشرق منطقتي الخوانجة والزغبة ومن الغرب بطح الساحل ومن الجنوب الحد الرفيع الملامس للمد الجنوبي لمسكر مهدي والقريب من قصارجردي, وفي حالة المد  تغطي منطقة الحرف المياه أما في حالة الجزر فإن السطح يظهر بالكامل ويرى من على الساحل المقابل وكأنه رسم بريشة فنان ماهر الذي يجذب الناظر اليه بألوانه البنيه الزاهية التي حينما تنعكس أشعة الشمس على قاعه يرى من بعيد وكأنه ذهب يتلألأ, وكلمة الحرف مفرد وجمعها أحرف وحروف ويذكر ابن منظور في لسان العرب أن حرف كل شيء طرفه وشفيره وحده ومنه حرف الجبل ,وهو ماينطبق على منطقة الحرف على انها تكون مثل التله المرتفعة عن سطح البحر في حالة الجزر وتتضح حدودها .
وتقع في فناء ساحة الحرف مجموعة من المصائد البحرية من حضور ومساكر لصيد الأسماك وفي ثنايا الحرف تقع بين الصخور المرجانية فجوات (جسيس) (1) يستغلها البحارة بوضع القراقير لصيد الأسماك وهي طريقة اعتاد عليها بعض الهواة من الصيادين , وتستخدم كذلك في فناء الحرف بظلمة الليل الحالك طريقة صيد (القمبار) , ومد خيوط الميدار لصيد سمك السبيطي .

اما بالنسبة للإستفادة من موقع وأهمية الحرف لدى الممتهنين والبحارة أن سطحه عبارة عن بيئة بحرية مناسبة للأسماك والحيوانات البحرية لكنها غير مستقرة لسبب عدم استقرار الماء فيها وذلك بسبب تعرضها لظاهرة المد والجزر مرتين في اليوم الواحد , الا أن في بعض أجزاء سطحه توجد الحشائش البحرية (الحشيش) الغذاء المفضل لدى الأسماك مما يستثمر ذلك البحارة باستحصاله لعملية (العمآر) بوضعه في القراقير لصيد الأسماك , ويمتاز سطح الحرف بكثرت الصخور المرجانية (الفروش) والذي يستفاد منها لبناء المصائد البحرية مثل المسكر وقد اعتاد الأهالي في قص الصخور من منطقة الدنيب وجلبها الى البر المقابل واستخدامها في بناء المنازل والدور القديمة وكذلك بناء القبور في مقبرة سماهيج وهذه النوعية من الصخور المرجانية المسماة بالفروش لها ميزة خاصة دون الأحجار البحرية الأخرى في بناء المنازل وهي في موسم الشتاء البارد يكون بداخل الغرفة الجو معتدل وفي موسم الصيف تعطي الجو في الغرفة اللطافة والبرودة أي انها تكون حماية في الفصلين ولذلك فطنوا أجدادنا في هندسة البناء وفنه .
وعلى سطح الحرف تترسب بعض القواقع وفصوص المحار وغيرها من الحيوانات البحرية الصدفية التي يستفيد منها البحارة في صيد الأسماك ولهذا كان ملاحظاً في الآونة الاخيرة قبل دفنه في السنوات القليلة الماضية وبالأخص في بعض العطل الأسبوعية والسنوية كان الكثير من الأجانب الآسيوييّن يحرصون للذهاب لهذه المنطقة بغرض السياحة والتنزه وكذلك لإستخراج الحيوانات الصدفية وأخذها بالخارج لقليها على النار ومن ثم أكلها كما هي عادة شعوب جنوب شرق آسيا في أكلاتهم البحرية المفضلة . 


ثانياً:منطقة الغليل
يعتبر من أهم المعالم البارزة ذات الأثر البيّن على المنطقة والبحارة , سمي بالغليل (بفتح الغين وكسر اللام) لتوسطه بين موقعين يكونان جافين من ماء البحرفي حالة الجزر وهما الساحل غرباً ومنطقة الحرف شرقاً أي انه يكون متغللاً بين هذين الموقعين أوربما اشتقاق الإسم من كلمة (غل) أو(الغلل) بمعنى الماء الذي ليس له جرية كما جاء في بعض المعاجم اللغوية،  وبذلك أطلق على هذا الموقع كلمة الغليل كمايعتقد بعض البحارة أوربما يكون هناك تعريفات اومقاصد أخرى قد طواها الزمن ولم تعد يعرف معناه عند البحارة في الوقت الحالي , وهو أشبه ببحيرة صغيرة أو مستنقع مائي , وموقعه ملامس للساحل في الجهة الغربية للبحر ومن جهة الشرق الشريط المرجاني المعروف بالحرف ومن الشمال بابي الصغير والعود وحضرة الخيط ومن الجنوب فناء الساحل , والغليل غليلان (شمالي وجنوبي) .
أما استخدامات الموقع فهو عبارة عن بندرأومرسى مصغّر للبندر المعروف بـ(ريا) بالساحل فالثاني ترسو فيه السفن والمحامل الكبيرة والاول ترسو فيه القوارب الصغيرة ومنه انطلاق البحارة للإبحار, ومن المميزات التي يحمله الموقع أنه في حالة الجزر يمكن لأصحاب القوارب والزوارق الصغيرة العبور منه الى البحر بكل سهولة عن طريق الباب العود ومن ثم البندر ,كما ان للغليل استخدامات أخرى غير رسو القوارب فيها وهي مهمة التجديف للسفن الكبيرة وقد اشتهر الغليل محل لتجديف وصيانة السفن في حالة الجزر ومنه استفاد الممتهنين للبحراستفادة كبرى وهو يعد من أشهر مواقع التجديف في الساحل الشمال الشرقي مع المواقع الاخرى في شمال الساحل بالقرب من بستان التينة(نصر) وبالشرق بالقرب من بستان المجتّل وكذلك بالقرب من موقع دالية مهدي .
وعملية التجديف هذه تقوم على أساس الصيانة والإعداد لمواسم الغوص فبينما تترك السفن لعدت أيام في أرضية الغليل لهبابها أي تنظيفها وتصفية سطحها الخارجي من (النو) والترسبات من الطحالب والحشائش البحرية التي تلتصق وتبقى على جسم السفينة يقوم أصحابها بدفعها واخراجها الى الساحل للعمل على صيانتها وصقلها بالزيوت والدهون وبعد ذلك ادخالها البحر بالقرب من موسم الغوص بالصيف للإبحار.
وتقع في منطقة الغليل حضرتا (الجوجبية) في الشرق والسيدة في الشمال وكذلك ممر مائي ذات عمق معين يطلق عليه (الخريص) أوباب الخريص وهو أعمق نقطة بالغليل ومن هذا الممر تعبر القوارب الى الباب الصغير والعود ,ويلاحظ في وقت الفجر من كل يوم الكثير من القوارب والطراريد التي تنطلق من هذه النقطة الى عمق البحر للإبحار , ولاتكاد تخلو منطقة الغليل خصوصاً في حالة المد في الأوقات الحارة بالصيف من هواة البحر ورياضة السباحة الذين اعتادوا الغوص فيه وذلك لمنسوبة المائي الجيد للإستمتاع والاستجمام ,والموقع الحالي للغليل انشئ فيه حاليا المشروع الإسكاني لاهالي المنطقة بعد تعرضه لدفن وطمر أرضيته بعد ان كان في السابق يعتبر موقع حضاري وريادي رسمه وأستثمره الماضون من أجدادنا .

______________
1- مصطلح بحري لدى البحاره , من بجس وانبجاس بمعنى الإنشقاق والإنفجار(فانبجست منه اثنتا عشرة عينا) أنظرالصاغاني في العباب الزاخر,ولسان العرب ,ابن منظور , مفردها جسه وهي ثغره ضيقه وصغيره بين الصخور يستخدمها البحار بوضع المصيدة لصيد السمك .

12-10-2010

الأحد، 19 سبتمبر 2010

المعالم الساحلية لسماهيج (1)

المعالم الساحلية لسماهيج (1)
الوصف التاريخي والجغرافي للساحل الشمال الشرقي

بقلم-جعفريتيم
تعتبر سماهيج التاريخية جزيرة المحرق الحالية ثاني أكبر جزر أرخبيل البحرين من حيث المساحة والأهمية وتقع على خط عرض 26 درجة شمالاً وبين خطي طول 50 و51 شرقاً وقد ذكرتها العديد من المصادر التاريخية والجغرافية وهناك جملة من الكتاب والرحالة والمؤرخين وصفوا الجزيرة وكتبوا عن سواحلها وطبيعتها الخضراء وفي غزارة مياهها , وبالأخص في الساحل الشمال الشرقي منها لما لهذه المنطقة من اعتبارات عديدة في طبيعتها ومناخها عن باقي سطح جزيرة المحرق وباقي جزرأرخبيل البحرين وفي عجالة يمكن ان نستشهد بنموذجين تاريخييّن معتبرّين لدى المهتمين بكتابة تاريخ البحرين على الأقل في القرن المنصرم كمصدرين في بحثنا وهما كتابا ( دليل الخليج ) للمؤلف الإنجليزي جوردون لومير ,وكتاب (عقد اللآل في تاريخ أوال)  للمرحوم الشيخ محمد علي التاجر.
يعطي صاحب كتاب ( دليل الخليج) الإنجليزي لوريمروصفاً جغرافياً للجزيرة:
 (وهي أهم جزيرة في مجموعة جزر البحرين .وتقع في الشمال الشرقي لجزيرة البحرين ويفصل عنها بوغاز غرضه 1 ميل وهو ضحل جداً في معظم مساحتها واكبر مسافة فيه تبلغ أربعة اميال شمال الشمال الغربي وجنوب الجنوب الشرقي والمساحة الحقيقة للجزيرة ضيقة جدأ نسبياً 5 ميل مربع في الحقيقة ) (1)
ويصف المرحوم الشيخ محمد علي التاجرالجزيرة ( المحرق ثانية جزر البحرين وتقع شرقي المنامة بينهما مسافة نصف ساعة في السفن ) (2)
وتعتبر السواحل الشمالية الشرقية للجزيرة ذات أهمية استراتيجية كبيرة لساكنيها في مزاولة مهنة الغوص واصطياد الأسماك وزراعة الأرض كما هي مشهورة بتربتها الخصبه ووفرة المياه والنخيل والأشجار , كما ان هذه المنطقة كانت ذات أهمية بالنسبة للحكام والطبقة الأرستقراطية على مدى تاريخ البحرين القديم , ومنطقة الساحل الشمال الشرقي بالتحديد عرفت منذ عهد قديم تحت مسمى ( سماهيج ,مسماهيج) كما هو اسم الجزيرة كانت بها مجموعة من القرى الصغيرة الحلة والجنمة وريا وهي حالياً بموقعها من قرية الدير في  الغرب الى قرية قلالي في الجنوب ويحدها من الغرب مطار البحرين الدولي.
وفي وصف لومير للجزيرة يوضح بعض المعالم الساحلية للساحل الشمال الشرقي منه وهي ذات أهمية بالغة خصوصاً وان هذه المنطقة بالذات قد تعرضت للدفن والطمر تحت الأرض في الأعوام القليلة الماضية مما أدى الى تغير سطحها وطبيعتها الجغرافيه , ويمكن الإستفادة جغرافياً وتاريخياً لما ذكره لومير في كتابه دليل الخليج .
بعض المعالم البارزة التي ذكرها الكاتب الإنجليزي لومير(3):
أولاً : رأس ريا
 رأس في أقصى الشمال لجزيرة المحرق , وفي جدول قرى الجزيرة يحدد موقع ريا (على أقصى نقطة شمالي الجزيرة وعلى بعد نصف ميل شرق الدير) .
ثانياً : دوحة الحلة
في الناحية الشمالية لجزيرة المحرق بين الدير ورية ويصف طبيعة هذه الدوحة على انها خليج صغير .
ثالثاً : قصار جردي
يذكرها على انها جزيرة اسمها (جردى) وموقعها على بعد ميل واحد عن شمال قرية قلالي , وطبيعته جزيرة صغيرة على الشاطئ المرجاني ويذكر ملاحظة (فيها حطام منزل وبجانبه ينبوعان عذبان في البحر يعلو سطح الجزيرة قدمين عن سطح البحر).
رابعاً : جزيرة خصيفة
موقعها على بعد نصف ميل من قرية الدير, وطبيعتها جزيرة صخرية صخور على الشاطئ ,وبينها وبين الشاطئ يوجد ثلاثة ينابيع عذبة مكشوفة في الجزر المنخفض تغذي الديربالماء وتعلو عن سطح البحر 8 أقدام .
ويصف الشيخ محمد علي التاجر في كتابه عقد اللآل في تاريخ أوال بعد توثيقه الجغرافي للجزيرة ومدينة المحرق وقرية الدير يذكر التاجر القرى الصغيره ومسمياتها وتحديد موقعها المطله على الساحل الشمالي الشرقي (4):
أولاً: قرية الدير 
وهي على الساحل الشمالي ,وهي ذات نخيلة باسقة ومياة جارية وأهلها يحترفون الفلاحة والغوص وصيد السمك.
ثانياً : قرية الجنمة
 من الشرق لقرية الدير و(هي قريبة من الساحل المذكور وبها النخيل الباسقة والمياه الصافية الدافقة واهلها يحترفون الفلاحة والغوص وصيد السمك .
ولاتزال التسمية باقية لحد هذا اليوم لهذه المنطقة والتي تعتبر أحد أحياء قرية سماهيج والذي يقع في الشمال منها.
ثالثاً: قرية رية
من الشرق لريا , اسم العين التي فيها وهي على الطرف الساحل الشمالي شرقا وهي ذات بساتين غناء ورياض فيحاء ومياه غزيرة , وأكثر أهلها يحترفون الفلاحة والغوص وصيد الحوت وسوف نأتي في باب آخر للحديث عن بستان ريا.
رابعاً :قرية سماهيج
تقع في الشمال لريا , قريبة من الساحل الشرقي وكانت إحدى المدن الكبار في قديم الزمان .....,هي ذات بساتين باسقة ومياه جارية واهلها فلاحون وغواصون وصيادوا سمك) .
خامساً: قرية الحلة
وهي قرية صغيرة ذات نخيل باسقة ومياه جارية واهلها فلاحون وغواصون وصيادوا سمك .
سادساً : قرية قلالي
وهي على مسافة  نصف ساعة للراجل على الساحل الشرقي وشرب اهلها من ينبوع البحر يسمى جرذى, واهلها غواصون وصيادوا سمك .
الإختلاف في قرية الحلة :
يلاحظ ان هناك اختلاف جوهري بين وصف الموقع لقرية الحلة بين الكاتب الإنجليزي لومير والمرحوم الشيخ التاجر فالأول يذكر الحلة تحت مسمى (دوحة الحلة ) كموقع ساحلي في الناحية الشمالية لجزيرة المحرق بين الدير ورية يعرف في طبيعته (خليج صغير) .ويبدو ان لوميرأخذ التسمية على انها قريبة أو ملاصقة لقرية الحلة المذكورة , والوصف الثاني للشيخ التاجر يصف الحلة على أنها قريبة من سماهيج على اعتبار أن قرية سماهيج تأتي بعد قرية ريا جنوباً وليس شمالاً وهو الأمر الفارق للوصف بين الشيخ التاجر ولومير, ولا نستطيع هنا أن نخطأ أحد منهما لأن هناك دلالات تشير الى صحة الرأيين على سبيل المثال حالياً توجد أسرتين لقبهما (الحلي) تقطنان في قرية سماهيج أسرة في الشمال وأسرة في وسط القرية كما كان في السابق علماء ينتسبون لهذه القرية ويعرف عن الاوائل من قرية سماهيج انهم كانوا يعتقدون على ان منطقة الحلة هي مركز القرية قديماً أي أن كلمة حلة أصبحت مرادفه لسماهيج فيما بعد ,وربما يكون بناء التدوين للكاتبين بحسب العرف الرسمي والشعبي لمسمى المنطقة في احتمال التغير التاريخي للمسمى ولاتزال كلمة الحلة تستخدم عند بعض أهالي القرى المجاورة بالإشارة لسماهيج .

الجيولوجيا والطبيعة:
المظهر بارز في مجموعة جزر البحرين هو انخفاض واستواء أرضها وضحالة البحر المحيط بها )  (5) (تكون المحرق الجزء الشمالي من مجموعة جزر . وحيث انها منخفضة عن مستوى البحرين فانها تكون عرضة للفيضان في حالة المد العالي لذا فان المطار وحركة المرور عادة ماتتوقف متى ارتفع منسوب الماء ) (6) وبذلك ان الساحل الشمالي الشرقي لايختلف عن بقية سواحل الجزيرة ولاعن بقية أرخبيل البحرين بالكامل لأن مستوى الماء في الساحل الشمالي الشرقي منخفض وعند مدخل البحر توجد رمال بالقرب من الساحل والى الداخل بأمتار قليلة توجد شعاب وصخور مرجانية على شريط مرجاني بطول السواحل ,كما تنتشر ظاهرة القصاصير أو الجزر الصغيرة .
وفي شأن ضحالة المياه بالقرب من السواحل وكثافة الصخور المرجانية يذكر لومير ان هناك عقبات تواجه الملاحة في خليج البحرين وهما فشتي الديبل والجارم الا أن هناك مجرى متوسط الإتساع يجري شمالاً وجنوباً شرق جزيرة المحرق .
أما عن الشكل وهي مطابقه (وشكلها غير منتظم وكثير التعاريج وتشبه حدوة الحصان وفتحته الى الجنوب وجزيرة المحرق تتكون من شريط منخفض من الرمل يحدها شريط عريض من الصخور المرجانية وفي حالة الجزر المنخفض تبلغ هذه المساحات ثلاثة أميال السطح ) (7)
ويذكرالملا الناصري في بحثه عن قرى البحرين (إلى ما جاء في المخصص كما بينا نرى أن ساحل قرية سماهيج ينطبق عليه معنى الطول لأ نه بدون تضاريس وبدون رؤوس ويدون منعطفات. خلاف الكثير من الرؤوس الخاصة بجزيرة المحرق مثل الحد والدير وعراد والحالات ومثل حالة لسلطة واخليفات ) (8).
وفي البرالمقابل للساحل فالنظر يأخذك بالسحر والروعة من شدة جماله فالأرض تشتهر بالبساتين والحدائق ومافيها من أشجار النخيل والرمان والفواكه والخضاربالإضافة الى تعدد موارد المياه الجوفية من عيون وآبار ارتوازية والكواكب التي بالقرب من الساحل .

المناخ :
 الجو كما هو جو أرخبيل البحرين العام معتدل شتاءً وحار صيفاً وشديد الرطوبة لقربها من الساحل الا أن هواء جزيرة المحرق أنقى وأجود هواءً (هواء جزيرة المحرق جاف نقي معتدل في الجملة لم يوجد بأرضها وخامة ولم يكن بها وباء لقلة النخيل بها ) (9)  كما انها أجود مناخاً من المنامة (وهي أجود مناخاً وهواء من المنامة ) (10) وتهب على المنطقة رياح الشمال والشمال الغربي التي تكون بارده في فصل الشتاء , وتهب كذلك الرياح الجنوبية والجنوبية الشرقية التي تعرف اصطلاحاً (الكوس) وتكون في فصل الصيف حاره ومشبعه بالرطوبة العالية ويصف الكاتب الهندي سي.ام.كرستجي جزيرة المحرق في زيارته للبحرين إبان الحرب العالمية الاولى (ففي المحرق يسكن الشيخ وجميع وجهاء البحرين ,وهي أجمل بكثير من المنامة,ومناخها أطيب,وأكثر انفتاحا ناحية البحر) (11).
والساحل الشمال الشرقي أفضل سواحل الجزيرة مناخاً وهوائه لطيف ومنعش , وكماهو معروف تاريخياً أن ساكني الجزيرة وجزيرة البحرين يضطرون للذهاب شمالاً على الساحل للنزول قرب العيون والنخيل والبساتين وليس العكس خصوصاً في موسم الصيف (وأثناء الشهورالحارة فإن اكثرية السكان يهجرون المدينة ويعسكرون في الجزء الشمالي الشرقي لجزيرة البحرين ) (12)  (فلذا يضطرون الى مبارحة المدن زمن الصيف والنزول قرب العيون العذبة التي عند السواحل) (13) وعن هواء منطقة سماهيج والقرى التابعة لها كما يذكر أحد أبنائها ذكرياته ( سماهيج بهوائها المشبع بمادة (اليود) الآتية من البحر, لتتفاعل مع النخيل وأشجار اللوز التي كانت تغطي مساحات واسعة من القرية مكونة هواءا عليلاً يشفي القلوب ويغبط النفس . لقد أنعم الله على قريتنا بسر من أسرار الحياة إذ هيأ لنا المياه العذبة والمتدفقة بين أمواج البحر. وعبر (الجواجب) المنبعثة من وسط البحر لتضفي جمالاً ومنظراً خلاباً ) (14).

أهمية المنطقة تاريخياً:
تمتاز منطقة الساحل الشمال الشرقي عن بقية مناطق الجزيرة وربما عن بقية أرخبيل البحرين بهوائه العليل في سكونه وهدوئه كما أن وفرة المياه وتربتها الخصبة جعلت المجاميع البشرية تستوطن هذه المنطقة منذ القدم,والطبيعة الخلابة لها محلها في الذوق والمزاج حيث الساحل الهادئ والهواء اللطيف وأشجار الموز والتين والنخيل بالإضافة الى وجود البندر وتمركز السفن والقوارب للغوص واستخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك وربما تكون هناك اتصالات بشريه بين شعوب المنطقة عبر هذه المنطقة وهناك اشارات تدلل على وجود مثل هذا الاتصال التاريخي ,وللأهمية بمكان اشتهار الساحل بالمصائد البحرية (الحضوروالمساكر) وكثرت ماتصيده من أسماك والتي كانت في إحدى الفترات الزمنية قد أدرجت في بنود الاتفاقية بين حكام المنطقة .
ولعل الموقع الاستراتيجي للساحل الشمال الشرقي للجزيرة بجمال بيئته الجغرافية قد أوجد مناخاً للعيش بأمن وسلام واطمئنان بين ساكنيه الا أن الروايات القديمة المروية عن الأجداد تفيد بتعرض هذا الساحل مراراً الى العديد من السطو والقرصنة الاقليمية وما أفرز ذلك من فتن وغزوات الطامعين الذين يأتون لنهب خيرات المنطقة ويعيثوا في الأرض الفساد بقتلهم أهلها الأبرياء المسالمين وتدمير محاصيلهم الزراعية وسرقتهم للسفن والقوارب وهو كما حصل للغزو العماني لأرخبيل البحرين في بدايات القرن الثامن الميلادي بدخولهم كما في الرواية الشعبية عن طريق الساحل الشمال الشرقي للجزيرة وما قد صنعوه من صنوف القتل والتدمير في أهل سماهيج والمناطق المجاورة .
وفي العصر الحديث قبل ثلاثة قرون تقريباً من الآن ومع هجرة القبائل العربية للبحرين استوطنت جزيرة المحرق سماهيج التاريخيه  العديد من القبائل العربية وذلك فإن الشهور الحارة من السنة تهجر أغلبية هذه القبائل الى السواحل الشمالية لجزر البحرين (وفي أثناء الشهور الحارة فإن أكثرية السكان يهجرون المدينة ويعسكرون في الجزء الشمالي لجزيرة بحرين )
 (وهي أجود مناخا من المنامة وشرب اهلها من ينابيع في البحر)(15) وهناك أمثلة عديدة لبناء القصور والمنازل (وبهى مشتى الحكام آل خليفة) (16) والطبقة الاستقراطية من القبائل العربية تجدها في منطقة ريا في شمال سماهيج على الساحل , وربما تكون هناك أمور غير ذلك جعلت المجاميع تتمركز فيها بحسب رأي الملا الناصري (أما بالنسبة لاهتمام الحكومة آنذاك بحزيرة المحرق فيرجع الى مهاجمة أهل عمان للبحرين وقد جاءوا من قبل ساحل سماهيج ,....وأكثروا من انشاء القرى فيها للسكن ومنها الكبيرة والصغيرة )(17) ويذكر لومير أن المنامة هي المدينة الرئيسية والتجارية للبحرين الا أن مقرالحكومة هو حيثما يقيم الشيخ وهو يقيم خلال الجزء الأكبر من السنة في المحرق وليس في المنامة (18).
وفي المحصلة النهائية نستطيع أن نوجز بهذا الخصوص لأهمية منطقة الساحل الشمال الشرقي لجزيرة المحرق ونحصرها في عدت نقاط متداخلة (طبيعية ,اجتماعية , سياسية ,وتاريخية ) قدأثرت على المنطقة والمناطق المجاورة في مراحل تاريخية متلاحقة :-
أولا: المناخ الجيد والصالح للعيش على الساحل الشمالي الشرقي للجزيرة التي يمتاز مناخها عن غيرها من مناطق البحرين بطيب الهواء العليل الخالي من الوخامة الذي أوجد التمركز السكاني بها على دفعات زمنية متلاحقة .
ثانيا: كثرة الموارد المائية الطبيعية على الساحل من عيون طبيعية وكواكب تتميز بالعذوبة والغزارة في تدفقها, ويعرف الساحل بكثرة الكواكب دون غيرها من جزر البحرين وأحصيت هذه الموارد المائية في كتاب سماهيج في التاريخ بسبعة وستين موردا مائيا بين عين وكوكب, وإلا هنالك أكثر كما يروى عن كبار السن.
ثالثا: البيئة البحرية الغنية بالأسماك والحيوانات البحرية, والمطلة على أماكن استخراج اللؤلؤ, وكذلك انتشار المصائد البحرية على طول الساحل.
رابعا: الموقع الاستراتيجي الممتاز جعلها تخضع في بعض المنعطفات التاريخية لأطماع حكام المنطقة كما يلاحظ ذلك في فترة لاحقة بعدت سنوات بعد دخول أهلها للديانة الإسلامية ويرى ذلك واضحا في الاتفافية بين أمير جزيرة قيس والدولة العيونية.
خامسا: التربة الصالحة للزراعة ووجود الفلاحة ما أوجد ذلك في كثرة البساتين التي تنوعت في محاصيلها من الأشجار والنخيل والحشائش.
سادسا: تعرض المنطقة قديما وباستمرار لعمليات النهب والسلب والتخريب من قبل الغزاة وقراصنة البحر, وما حادثة عبيد الصلاح المشهورة إلا واحدة من عشرات الحوادث التي عصفت بالمنطقة فيما بعد.
سابعا: الموقع الجغرافي القريب من وسط الخليج جعلها تتميز عن غيرها من المناطق والجزر.
ثامنا: اعتبر الساحل الشمالي الشرقي قديما محلا تجاريا واقتصاديا إقليميا لبيع وتثمين اللؤلؤ, وربما النصوص القديمة التي ذكرت مرفأ مسماهيج (التلمود البابلي ومرجع أرميني) تشير إلى الساحل ذاته فكل المؤشرات المروية عنه توضح ذلك وهو ما يوضح النشاط التجاري لأهل المنطقة.

19-9-2010
_________________
المصادر والمراجع :
1-دليل الخليج القسم الجغرافي الجزء الرابع ص (1604)
2-عقد اللآل في تاريخ أوال ص (43)
3- دليل الخليج القسم الجغرافي الجزء الرابع ص (1605-1606)
4- عقد اللآل في تاريخ أوال ص (43-44)
5- دليل الخليج القسم الجغرافي الجزء الأول ص (297)
6- جزر البحرين ص (29) انجلا كلارك , ترجمة د.محمد الخزاعي
7- دليل الخليج القسم الجغرافي الجزء الرابع ص (1604)
8-مجلة جمعية تاريخ وآثار البحرين (دلمون)، ص ( ٦٦ ) العدد ١٨ ، بحث تحت عنوان (من كتاب مسميات قرى البحرين) الملا محمد علي الناصري.
9-التحفة النبهانية - ص(24)
10-عقد اللآل في تاريخ أوال – ص (43 )
11-أرض النخيل-ص (102) سي.ام.كرستجي ,ترجمة وتعليق منذر الخور
12- دليل الخليج القسم الجغرافي الجزء الرابع ص (1611)
13-التحفة النبهانية – ص (13)
14- نشرة الوسيلة – العدد (الرابع) صفحة سماهيجيات ,مقال ذكريات
15-– عقد اللآل في تاريخ أوال ص (43 )
16- عقد  اللآل في تاريخ أوال – ص (43 )
17- مجلة جمعية تاريخ وآثار البحرين (دلمون)، ص ( ٦٦ ) العدد ١٨ ، بحث تحت عنوان (من كتاب مسميات قرى البحرين) الملا محمد علي الناصري.
18-دليل الخليج ج الرابع – ص (1462)

الجمعة، 9 أبريل 2010

بندر «ريا» وصلته التاريخية بميناء سماهيج

سماهيج - جعفر يتيم
يقع في الجهة الشمالية الشرقية لجزيرة المحرق (سماهيج التاريخية) على بعد حوالي النصف كيلو تقريبا من الساحل وبالتحديد الجهة المقابلة لرأس ريا ويطلق عليه الأهالي (البندر) وسمي المرفأ باسم منطقة ريا لقربه منها وهي من قرى سماهيج القديمة المعروفة بالبساتين ووفرة الماء, وكما هو معروف ان مستوى البحر منخفض ومياهه قليلة العمق فإن مركز البندر بداخل البحر في نقطة مكشوفة وأكثر عمقا للمنطقة البحرية المجاورة للساحل وهو عبارة عن خور قليل العمق ومساحته صغيرة (في حالة المد مترين أو أكثر وفي حالة الجزر يكون ارتفاعه مترا واحدا) ويعتمد البحارة بوضع سفنهم ومحاملهم الكبيرة في البندر, وإذا كانت حالة الجزر شديدة توضع المحامل والبوانيش في منطقة العظم شمال غرب البندر الأكثر عمقا, أما القوارب الصغيرة فإنها ترسو بمحاذاة الساحل في منطقة الغليل, ويحد البندر من الشمال منطقة النكل والعظم ومن الشرق الزغبة والمطاف ومن الجنوب الخوانجة والحرف ومن الغرب فناء ساحل ريا، ويعتبر المرفأ نقطة انطلاق السفن الكبيرة لاستخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك منذ القدم فكان البحارة قديما ينقلون أمتعتهم عبر قوارب صغيرة إلى البندر ويركبون بها سفنهم وبعد رجوعهم من رحلة الصيد والغوص ينتقلون إلى القوارب ذاتها ومن ثم إلى الساحل لإنزال أمتعتهم وصيدهم من لؤلؤ وأسماك.

مستوى ماء البحر:
فيما وراء الجهتين الشمالية والشرقية للبندر في داخل البحر يكون الماء أكثر عمقا من الساحل، وكلما اتجهت أكثر ازداد عمق الماء, وهناك مجرى للإبحار متوسط الاتساع يجري شمالا وجنوبا (وخليج البحرين كله من رأس راكان إلى رأس تنورة البالغ طوله 73 ميلا هو كتلة من الشعب الصخرية قليلة الغور باستثناء مجرى واضح متوسط الاتساع هو الذي يجري شمالا وجنوبا من الساحل الشرقي لجزيرة المحرق) (1)، وشمالا إلى الغرب يوجد مجرى بحري يستخدمه البحارة للإبحار يطلق عليه (خور سليل) إلا أن ذلك لا يخلو من عقبات تواجه الإبحار بالسفن للخروج من البندر وخصوصا في حالة الجزر نظرا لانخفاض مستوى الماء وكثرة الشعب المرجانية, وقيادة السفن تحتاج إلى ربان لديه الدراية بمعرفة طرق المنطقة ولذلك امتاز البحارة بمعرفة الطرق السالكة التي تسلك بهم إلى العمق وتوصلهم إلى محميات الأسماك ومصائد اللؤلؤ ومن ثم الرجوع إلى البندر بيسر وسهولة دونما أي مشاكل وعقبات يلقونها في طريق العودة, (وأعظم العقبات الكبيرة بالنسبة للملاحة في الخليج هي فشت الديبل بين جزيرة المحرق ورأس راكان لمسافة طولها أربعة أميال من الشمال الى الجنوب وثلاثة أميال عرضا, ثم فشت الجارم ويبلغ 15 ميلا من الشمال والجنوب وتسعة أميال عرضا في أقصى الشمال, وهو يحمي ميناء المنامة من الرياح الشمالية الغربية, وكثير من شعب جزر البحرين الصخرية جافة جزئيا في الماء الضحل. وفي الجانب الواقع تجاه البحر المفتوح تنتهي مياه البحرين الضحلة على بعد 54 ميلا عن شمال المحرق) (2).

البندر الوحيد في المنطقة:
لم تعرف السواحل الشمالية الشرقية للجزيرة طوال التاريخ غير هذا البندر المسمى بندر ريا بدليل أن السواحل الأخرى القريبة منه لا تصلح لرسو السفن فيها, فالسواحل الشمالية المحاذية للدير مياهها ضحلة وتمتد الصخور المرجانية بالقرب من سواحلها ومنها استفاد أهالي سماهيج منذ القدم في نصب المصائد البحرية (المساكر والحضور), والجهة الشرقية المقابلة لسواحل قلالي مشابهة كذلك لسواحل الدير فمياهها ضحلة وتكثر بها الصخور والشعاب المرجانية، واستثمر البحارة الأقدمون سطح الساحل لإصلاح وصيانة السفن وتجديفها بعد كل موسم من مواسم الغوص, ومن هذا الجانب الجغرافي والبيئي للسطح يتضح بعدم وجود مرفأ (بندر) للسفن غير البندر الموجود حاليا بالقرب من ساحل سماهيج وربما يكون ذلك أحد أهم الأسباب تاريخيا لتمركز السكان في الجزيرة في الزمن القديم مع وجود مصادر المياه الجوفية (العيون والكواكب) وخصوبة الأرض والفلاحة, وقد اشتهرت هذه المنطقة قديما بحب أهلها للبحر وصيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ وبناء المصائد البحرية (المساكر والحضور) وصناعة القراقير والشباك بالإضافة إلى الخبرة الواسعة بطرق البحار وبمراكز استخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك وقد اشتهر الكثير من النواخذة بعلم طوالع النجوم والمناخ ولذلك كان هذا البندر معروفا منذ القدم ولا يهدأ طوال اليوم بخروج ودخول السفن منه وإليه حتى عهد قريب, وفي إحصائية يذكرها صاحب كتاب دليل الخليج ج.ج. لوريمر لعدد السفن في موانئ قلالي والدير وسماهيج ما مجموعه 132 سفينة وقاربا حتى بداية القرن العشرين من ضمن 1947 سفينة في موانئ جزيرتي المحرق والبحرين, ولعل هذه السفن لم تكن للملاحة التجارية والتصدير وإنما كانت للإبحار في استخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك، إلا أن الإحصائية تبدو غريبة في مجموع السفن بميناء سماهيج وغير مطابقه للواقع المهني والمعيشي لأهل المنطقة على اعتبار أن الأهالي كانوا يعتمدون على البحر وفي ما يلي أعداد السفن وأنواعها (3):


ميناء قلالي

55 شويس وسمبوك - 4 شوعي وقوارب خفيفة: المجموع (59).

ميناء الدير

25 شويس وسمبوك - بقارة واحدة: المجموع (26)

ميناء سماهيج

6 شويس وسمبوك - 6 شوعي وقوارب خفيفة: المجموع (12)

وفي جدول القرى يذكرها بصورة أخرى (والقوارب 6 شوعيات وسمبوكا و6 ماشوات ويلحق 11 مركبا تستعمل لصيد اللؤلؤ) (4)

الدورالحضاري:
يعرف الخليج على أنه بحيرة ضخمة مغلقة مياهها ضحلة وتكثر فيها الخلجان الصغيرة والجزر المتناثرة بالإضافة إلى الصخور والأعشاب المرجانية التي تكون واضحة في حالة الجزر أي أن الملاحة فيه تكون صعبة وذات خطورة على الربان الذي لا يعرف ممرات الخليج ومرافئه (فالدخول إلى هذه الموانئ ليس بالأمر الهين إذ غالبا ما تكون مرافئ الخليج على هيئة مراس مكشوفة مياهها ضحلة وطبيعتها خطرة بسبب الرمال المتحركة والأحجار وسلاسل الصخور الواقعة قرب سطح البحر والتي يصعب تحديدها بحكم كونها غير واضحة المعالم) (5)

ولتوسط موقع أرض دلمون في الخليج أهمية كبيرة في التطور الحضاري بين شعوب المنطقة فمن خلال التأثر والتأثير لعبت التجارة دورا بارزا في تقوية أواصر شعوب المنطقة، حيث كانت جزر البحرين تعتبر موانئ بحد ذاتها بطبيعتها الجغرافية من خلال السفن التي ترسو بالقرب من سواحلها القادمة من بلاد الرافدين وشبه القارة الهندية والصين والبحر الأحمر وتقوم بعملية الشحن والتفريغ للبضائع والمؤن الغذائية والاستهلاكية في (البنادر)، وعرفت بعض الجزر ذلك مثل جزيرة سترة والنبيه صالح (6), وفي سنة 1901 بني مرفأ صغير بالمنامة لترسو السفن القادمة والمغادرة من المنامة (7) إذ كان هذا المرفأ هو الميناء الوحيد في أرخبيل البحرين (والمنامة وهي الميناء الوحيد لاستقبال المراكب التجارية في البحرين) (8) وكذلك كانت التجارة تتوزع بين المنامة والمحرق (وتتوزع التجارة مع قطر بين مدن المحرق والمنامة أما التجارة مع الإحساء والقطيف فإنها تتركز في المنامة) (9)، وفي الزمن القديم لم تكن هذه الجزر مجرد موانئ طبيعية ومركز تجمع التجار والسفن أو محطات للتزود فحسب أو كما يعرف بالوسيط التجاري، بل عرف عن أهل دلمون صناعتهم للسفن ورحلاتهم البحرية الاستكشافية ونزولهم لقاع البحر وتجارتهم عبر الخليج والبحر الأحمر لمزاولة التجارة.

وفي هذا المجال التجاري ليست هناك نصوص تاريخية تجزم أن بندر ريا كان مصدر تصدير وتفريغ رئيسي ورسمي لحضارة دلمون، إلا أن هذا البندر يقع في منطقة جغرافية واستراتيجية تؤهله أن يكون قد لعب دورا حضاريا وإنسانيا في تلك الأزمنة الغابرة ما قبل الميلاد, وحتى وقت قريب كما يروي كبار السن والبحارة أن هناك بعض المراكب الثقيلة والسفن الكبيرة كانت ترسو بوسط البحر وبالتحديد في الممر المائي للسفن الثقيلة بالقرب من الجزيرة شرقا على بعد 8 كيلوات عن بندر ريا في منطقة يقال لها (بوية أم الدود) أو كما يطلق عليها البحارة البوية الحمراء، ومنها تنقل البضائع إلى السفن الصغيرة وتوزعها إلى سواحل المنطقة على غرار ما كانت تتبعه السفن الكبيرة قديما القادمة للبحرين لترسو في المياه الأكثر عمقا بالقرب من الساحل الشمالي لجزيرة أوال لتنقل المسافرين والبضائع بالسفن الصغيرة إلى فرضة المنامة، وكانت بعض القوارب الصغيرة المسماة (العبرة) تصل إلى بندر ريا وسواحل سماهيج لنقل المسافرين إلى السفن الراسية في وسط البحر، وبالتالي تسلك هذه السفن الطرق الملاحية المعروفة إلى سواحل الجزيرة العربية القطيف ودارين وبلاد الرافدين, ويفيد ذلك أن هناك بعض الإشارات في المصادر والمراجع المحلية والعربية والأجنبية تشير إلى وجود مرفأ تحت اسم مشماهيج, مشمهيج أو مسماهيج باللغة السريانية في التلمود ومرجع أرمني آخر, كما جاء موقع المرفأ في نصوص أخرى بصيغة كلمة (ميناء)، أحد هذه النصوص يوضح تجارة جلب اللؤلؤ وتصديره، والنص الآخر يشير إلى فرض الجزية على اليهود (ويجلبون اللؤلؤ من الميناء التابع للفرس, الذي يدعى ميناء مشماهيج), (أعطوا الملك الفارسي 21 ولاية ومينا مشماهيج), وترتبط علاقة هذا المرفأ بتجارة اللؤلؤ قديما فلا يعرف موقعه الجغرافي بالتحديد وذلك لصعوبة تحديد موقع سماهيج التاريخية والمصادر التاريخية في ذلك متنوعة في وصف الموقع فتارة تصف سماهيج أنها جزيرة وتارة تصفها أنها منطقة أكثر اتساعا من ذلك ولهذا يصعب تحديد موقع مرفأ مشماهيج القديم وفي بقعة يقع من أطراف الجزيرة, ويحتمل أن يكون الموقع الحالي للبندر هو نفسه الميناء أو المرفأ كما عبرت عنه المصادر وذلك لما تحويه منطقة الساحل الشمالي الشرقي من مواصفات جغرافية واستراتيجية مناسبة بالإضافة إلى التمركز السكاني والنشاط البحري لأهالي المنطقة لقرون ممتدة طوال التاريخ, والموقع ذاته كان من أهم المناطق البحرية في المنطقة وبه كان اعتماد ساكني جزيرة (سماهيج) المحرق الحالية منذ القدم (أما دارين والعقير والفرضة والغابة وخرشاف وسماهيج وحوار فتلك موانئ صغيرة اشتهرت في الأيام القديمة) (10).

لعب المرفأ دورا كبيرا في تنشيط الحياة التجارية والاقتصادية والمعيشية على المستوى المحلي والإقليمي من خلال بيع وتثمين اللؤلؤ(كان لسماهيج دور بارز في مجال تجارة اللؤلؤ حيث فتحت سواحلها كمرافئ لكل القوارب والسفن العابرة لصيادي السمك والجواهر الثمينة المارين من وإلى ميناء أرادوس وحضنت تجارة اللؤلؤ والنواخذة لتصبح سوقا للتثمين والمزايدة في أسعار اللؤلؤ (بورصة) في وقتنا الحاضر فكانت تعتبر من أقدم المدن الزاهرة على ضفاف الخليج العربي, ومن الأسواق المشهورة ذات الرواج في إقليم أوال) (12)
البندر في أواخر القرن العشرين:
ولما كان صيادو الأسماك تعوقهم الحركة من وإلى البندر لتوصيل مستلزماتهم وأمتعتهم البحرية بادرت في هذا الشأن إدارة الثروة السمكية لإقامة معبر من رأس ريا إلى البندر لمساعدة الصيادين في دخولهم وخروجهم وذلك في العام 1986 تم البدء في العمل على ترصيفه واستخدمه البحارة في أعمالهم البحرية وبقرب البندر دفن البحر وبنيت عليه جزيرة صغيرة ووضعت أنابيب في قاع البحر للتخفيف من قوة التيارات المائية وتلاطم الأمواج, وفي بدايات حرب الخليج الثالثة بعد احتلال الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين لدولة الكويت من العام 1990م استخدمت الجزيرة لأغراض عسكرية من قبل قوات التحالف وهي عبارة عن قاعدة عسكرية لإطلاق الصورايخ المضادة (الباتريوت) صورايخ سلاح الجو العراقي المعروفه باسم (سكود) وفي هذه الفترة لاقى البحارة في دخولهم وخروجهم من البندر صعوبة كبيرة وذلك للتفتيش المستمر من قبل الجنود, وبعد الانتهاء من الحرب على العراق أخليت المنطقة من جنود قوات التحالف وأصبحت المنطقة مركزا أمنيا لخفر السواحل ونقطة تفتيش مركزية على الساحل الشمالي الشرقي, وفي بداية التسعينيات ومع الاضطرابات السياسية والأمنية في البلاد تم زيادة حدة التشديد على البحارة في دخولهم إلى المنطقة إلى أواخر التسعينيات وتم الإفساح للبحارة في ذهابهم وعودتهم.

بعد دفن الساحل:
بعد عمليات ردم البحر المتواصلة للسواحل أصبح البندر ملامسا للساحل في قبالة جزر أمواج الصناعية ولم تعد كما هي من ذي قبل وأصبح المعبر في بدايته من رأس ريا قاسما بين الساحل الشمالي والبندر تعبر عليه مركبات الشركات والمؤسسات المعنية بدفن الساحل وتخليص معاملاتها، ولعل البندر بحلته الجديدة حاليا أقل شيء يجب أن يكون تعويضا للبحارة وأهل المنطقة بعد فقدانهم السواحل، ولم يكن البندر من قبل يطلق عليه مرسى أو مرفأ لوضعه القديم والتقليدي فإن السفن والمحامل في الوقت الحالي تلامس الرصيف بينما كانت من قبل ترسو في بقعة بحرية مفتوحة قريبة من السواحل.

الجمعة، 26 مارس 2010

قصار جردي/ المعلم السياحي المدفون.

سماهيج - جعفر يتيم
قصار ومعناه في العرف الدارج لدى البحارة (صخرة بحرية غير مستوية ذات لون بني ويميل بعضها إلى اللون الأسود، وتختلف القصاصير في أحجامها بحسب موضعها البحري، وتعتبر موضع أمان للبيئة البحرية التي تتكاثر فيها الأسماك), يقع القصار في منطقة الشريط الضحل الممتد للساحل الشمالي الشرقي لجزيرة المحرق (سماهيج التاريخية) ذات الصخور والأعشاب المرجانية وبالتحديد في الشرق من أطراف ساحل سماهيج الشرقية وفي الجهة الشمالية الشرقية من ساحل قلالي ومساحته تقدر من 40 إلى 50 قدما على شكل دائري يشبه الجزيرة الصغيرة ويرى بالعين المجردة من على رمال الساحل كأنه مرتفع جبلي بلونه المائل إلى السواد في حالة الجزر وفي حالة المد يظهر ارتفاعه في حدود القدمين أو أكثر، وفي بعض الأحيان في ماية الشوع في أوائل ومنتصف الشهر القمري يتغطى سطحه بالكامل, وكثيرا ما يشاهد على سطحه من بعيد حلقات من الطيور البحرية (اللوه) وهو يعتبر مأوى لها ومسكنها الدائم, والقصار بحد ذاته يعتبر بيئة صالحة ومحمية للأسماك والحيوانات البحرية للتكاثر, وهو من ضمن أشهر القصاصير الثلاثة المعروفة المحيطة بالجزيرة (خصيفة وأبو شاهين) وفي موقع متوسط بينهم في الساحل الشمال الشرقي, ويلاحظ موقع القصار في الخرائط الجغرافية السابقة والقديمة لأرخبيل البحرين تحت مسمى قصار جردي أو جرذى بحرف (الذال) أما تسميته عند الأهالي كانت معروفة ومقتصرة على كلمة (القصار) بلفظ الكاف وقد جاءت تسميته في بعض المصادر تحت وصف جزيرة, ويصفها الكاتب الإنجليزي لومير على أنها جزيرة صغيرة (جزيرة صغيرة على الشاطئ المرجاني, على بعد ميل واحد عن شمال شرق قلالي) (1) وفي الجهات الشمالية والشرقية والغربية لموقع القصار توجد العديد من المصائد البحرية (الحظور والمساكر) لأهالي قريتي سماهيج وقلالي، ويعتبر السطح المحاذي للقصار غنيا بالحشائش البحرية (محشة) التي تغذي الأسماك والحيوانات البحرية وفي هذه المنطقة في حالة الجزر يأتي الكثير من البحارة لاستحصال هذا الطعم المسمى (الحشيش) وهو يعتبر من أفضل الحشائش في المنطقة ذات النوعية والجودة الجيدة لصيد الأسماك وبالقرب من القصار يوجد مورد مائي من جوف الأرض المسمى كوكب ينبوع ماء (جوجب) شرب منه الأهالي كما يذكر ذلك صاحب التحفة النبهانية «وشربهم من ينبوع في البحر يسمى (جرذي)» (2) وصاحب كتاب عقد الآل (وشرب أهلها من ينبوع البحر يسمى جرذى) (3) ويصف كذلك لوريمر (وبجانبه ينبوعان عذبان في البحر يعلو سطح الجزيرة قدمين عن سطح البحر). (4) إلا أن كبار السن وبحارة المنطقة يرون أن هناك ثلاثة ينابيع شاهدوها رأي العين وشربوا منها وهي أكثر غزارة وتدفقا للماء من الكواكب القريبة من الساحل بحسب ما يذكرون .

القصار في القصص والروايات القديمة:
لبعد القصار تقريبا عن مساكن الأهالي في الساحل الشمال الشرقي وإحاطته بالماء من كل جانب لابد أن بعد المسافة ووحشة الطريق وظلمة الليل الحالك تجعل إنسان هذه المنطقة يتصور الكثير في مخيلته وتتحول إلى فكره مما يؤدي إلى انعكاس ذلك الشعور إلى حقيقة أو ربما عقيدة يؤمن بها ويمارسها في طقوسه الدينية كما هو الحال في الديانات القديمة التي مرت على أهل البحرين ما قبل الميلاد في حضارة دلمون وخصوصا هذه المنطقة من جزيرة المحرق (سماهيج التاريخية) لذلك ارتبطت بظاهرة المياه الجوفية (الكواكب) وبموقع القصار الكثير من الروايات ذات الطابع الأسطوري لشخصيات خيالية ووهمية مخيفة تسكنها وتحرسها, وإلى وقت قريب كان البعض يخشى الذهاب إليه ليلا تحاشيا لوقوع المحذور.
ويعتقد الكثير من كبار السن بقرية سماهيج نقلا عن آبائهم أن منطقة القصار كانت جزءا من بلدة مأهولة هي امتداد للشريط البحري الضحل لرأس الحد ونهايته عند العين المعروفة عين (جلب) في الشمال وموقعها حاليا جزر أمواج الصناعية, وكذلك يروي البحارة وكبار السن أن القصار بحجمه في السنوات الأخيرة كان أكبر بكثير من حجمه قبل دفنه ويذكرون أن فيه مسجدا في الزمان الماضي قد اندثر وبالإشارة إلى هذه الرواية ربما يكون هو المقصود من الحطام الذي ذكره لومير في وصفه للقصار (فيها حطام منزل) (5)

أحد المعالم السياحية:
تعتبر المصائد البحرية (الحظور والمساكر) والمحشات والسطح والشعاب والصخور المرجانية مظهرا من المظاهر الملفتة للنظر من أمام موقع سطح القصار وإذا كانت تلك من أفضل المظاهر للقصار فإن القصار هو أحد أبرز المعالم الساحلية للساحل الشمالي الشرقي للجزيرة, والقصار بوصفه جزيرة وبيئة ومحمية تتكاثر من حولها الأسماك فإن القصار بموقعه كان معلما سياحيا لأهالي المنطقة يرتادونه باستمرار في جولاتهم ورحلاتهم الأسبوعية الساحلية للاستجمام والراحة والتنزه والكشتة فكان الأهالي يذهبون إليه من ساحل سماهيج مشيا على الأقدام وبأيديهم أمتعتهم وطعامهم وهناك من يأتيه قبل فترة من حالة الجزر بالقارب ومعه عدة الرحلة والتنزه فيفرشون أمتعتهم فوق القصار ويجلسون ويأكلون في ذلك الهواء العليل, ويقومون بجولات تفقديه من حوله وبأيديهم الكاميرا الفوتغرافية لأخذ الصور التذكارية, إلا أن الظاهرة الاجتماعية الأبرز والتي تتكرر في كل عام هي الرحلات الجماعية إلى القصار في عيد الأضحى لرمي الأضحيات وهذه الظاهرة قد اعتاد عليها الأهالي منذ زمن بعيد وكذلك النذور والوعود لإقامة الولائم ودعوة الأهل والأصحاب لأكل الوليمة.
وفي الحقيقة إن القصار كان معلما سياحيا ومصيفا يرتاده الأهالي باستمرار لإنعاش النفس والذاكرة والاستمتاع بهواء البحر العليل بالدرجة الأولى وللتنزه واللعب والصيد بالدرجة الثانية، فقد شرب الأهالي من ينابيعه العذبة فكانت لهم أجمل الذكريات التي احتفظوا بها وأروع القصص والحكايات التي صاغوها ونقلوها للأجيال ولهذا فإن التراث الشعبي غني في ذاكرته عن هذا المعلم السياحي والمصيف الجميل, إلا أن الدفان والاستثمار المالي لبناء مشروع الجزر الصناعية كان له أسوأ الأثر في طمر وتغييب أحد أجمل المعالم المشهورة والبارزة في الساحل الشمال الشرقي للجزيرة.


_________
1-كتاب الخليج الجزء الرابع الجغرافي – ص (1605)
2-التحفة النبهانية –ص (44)
3-عقد الآل في تاريخ أوال – ص(44)
4-كتاب الخليج الجزء الرابع الجغرافي – ص (1605)
5-كتاب الخليج الجزء الرابع الجغرافي – ص (1605)


نشرت في صحيفة الوسط
العدد : 2757 الخميس 25 مارس 2010م الموافق 09 ربيع الثاني 1431هـ

الثلاثاء، 16 مارس 2010

الدلائل على وجود أسقفية سماهيج.

الدلائل على وجود أسقفية سماهيج

سماهيج - جعفر يتيم
لا توجد أدلة ملموسة وواضحة للأسقفية لا من خلال الآثار ولا من خلال المصادر التوثيقية العربية وذلك أن هذه المصادر وإن كتبت عن الديانة المسيحية فهي بطبيعة الحال تواجه فقرا شديدا لما للأسقفية من صلة وليس فقط عنها بل عن الديانة المسيحية بشكل عام ووجودها في إقليم البحرين والمصادر الوحيدة هي المراجع السريانية والأجنبية بالإضافة إلى الترجمة التي قام بها منذر الخور, إلا أن هناك شواهد لغوية حية تتضمن ثلاث مسميات لاتزال باقية ومتداولة إلى الآن وهي قرى (سماهيج, الدير, قلالي) إضافة إلى مجموعة من الكلمات المتداولة التي لها صلة باللغة الآرامية وهي تدلل على تراث مسيحي سرياني له صلة بوجود المسيحية وأسقفية اسمها (مسماهيج) .


لغة الكنيسة:
الكنيسة لفظة سامية تعني المجمع وهي مكان مخصص للعبادة لدى المسيحيين يمارسون فيها طقوسهم الدينية, كانت اللغة الرسمية للكنيسة الشرقية (النسطورية) هي السريانية كما توضح نصوص المجامع النسطورية ذلك, والتي وجد فيها اسم أسقفيات إقليم البحرين ومن ضمنها أسقفية مسماهيج.
ويذكر جواد علي هذا الأمر بخصوص لغة النساطرة ولما كانت السريانية هي اللغة الرسمية لهذه الكنيسة، صارت هذه اللغة بهذه الصفة لغة نصارى العرب، بها يرتلون صلواتهم في الكنيسة وبها يكتبون، وإن كانت بعيدة عنهم غير مفهومة لدى الأكثرية منهم. كانت على كل حال لغة رجال الدين. وجلهم من رجال العلم في ذلك الزمن. فهي عندهم لغة للدين وللعلم، كما كانت اللاتينية لغة للدين والعلم عند الرومان، والإغريقية لغة للدين والعلم عند اليونان، والعربية عند المسلمين.
قلالي:
وهي إحدى الألفاظ المسيحية لأماكن تعبدهم, مفردها قلية أو قلاية وتجمع قلالي وقلايات, وتأتي مرادفة للصومعة والدير, أي أن القلاية كما يورد البكري بناء كالدير, وينقل جواد علي في كتابه القلاية وهي كالصومعة، يتعبد فيها الرهبان، وهي من الألفاظ المعربة، عربت من أصل يوناني هو «Kelliyon» ومعناه غرفة راهب أو ناسك. ومن هذا الأصل انتقلت اللفظة إلى السريانية فصارت «قليتا»، فانتشرت بين نصارى بلاد الشام بصورة خاصة ثم بقية النصارى ومنها دخلت العربية, وعرف علماء العربية أنها من الألفاظ المعربة، فقالوا: هي تعريب كلاذة، وهي من بيوت عباداتهم، أي عبادات النصارى, والقلالي عادة ما تكون بعيدة عن الكنيسة ومنطقة السكن, وفي لسان العرب لما صالح عمر نصارى أهل الشام كتبوا له كتابا (إنا لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا قلية).

الدير:
إحدى المفردات في الديانة المسيحية, وهي لفظة سريانية الأصل عربت بمعنى دار أي بيت الراهب ومسكنه، ولا سيما المحصن ثم خصوا بها مسكن الرهبان, وفي معجم البلدان الدير بيت يتعبد فيه الرهبان ولا يكاد يكون في المصر الأعظم إنما يكون في الصحارى ورؤوس الجبال.

الراهب:
وهي مفردة نصرانية وإحدى مسميات رجال الدين المسيحيين وجمعها رهبان, والراهب هو المتبتل المنقطع إلى العبادة, وعمله هو الرهبانية, ذكر بعض علماء اللغة أن الرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبنة, في حين مقتها وذمها الدين الإسلامي لما ورد في هذه الآية الكريمة (ورهبانية ابتدعوها) وفي الحديث الشريف (لا رهبانية في الإسلام).

موقع الأسقفية:
هناك سؤال ملح لايزال يطرق فكر الباحثين عن تحديد موقع جغرافية مسماهيج في الأصل قبل التحدث عن تحديد مكان الأسقفية فلاتزال الأمور مبهمة وفي غموض تام من غير التأكيد على المنطقة، وما هنالك إلا آراء واعتقادات تدخل من باب الاستنتاج والتوقع, فكلمة سماهيج التي تشير حاليا إلى قرية في الشمال الشرقي لجزيرة المحرق كانت في السابق تطلق على الجزيرة نفسها فهو أمر مسلم به تاريخيا كما تثبت ذلك المصادر والخرائط الجغرافية، إلا أن هناك مصادر تاريخيه تنوعت في تحديد المنطقة بعضها يصفها أنها جزيرة في وسط البحر وبعضها يصفها أنها موضع بجانب الساحل, والمصادر الأقدم منها ذهبت إلى أكثر من ذلك في إطلاق الكلمة على أرخبيل البحرين كما يلاحظ ذلك في الكتابات الفارسية (ميش ماهيك أو ماشي ماهي, مشماهيج) وفي المصادر السريانية (مسماهيج, مسكماهيج , مسمهيج) وهنا تتضح حقيقة غير مؤكدة من خلال المسميات في الإشارة إلى التسمية الفارسية والسريانية وانتسابها في الأصل إلى أي لغة منها، وهو ما يدل على الصراع على إثبات مكانة اللغة عند الفرس والسريان, إلا أن بعض المصادر العربية تأصلها تأصيلا عربيا حين الرجوع إلى كلمة (سمهج) في حين ذكر بعض المتخصصين باللغة أنها معربة من كلمة (ماشي ماهي).
ومن خلال تطابق المسمى الفارسي والنسطوري والعربي الذي يشير لسماهيج وجغرافيتها في السابق مع المصادر الأجنبية والعربية اللاحقة لها يمكن الاستنتاج بوجود موقع الأسقفية في موضع معيّن من جزيرة المحرق الحالية وهي قرية سماهيج وبالتحديد في الشمال الشرقي منها وذلك لعدة أسباب اجتماعية وسياسية وتاريخية متداخلة, ومميزات طبيعية وجغرافية أثرت في هذه البقعة دون غيرها من مواضع الجزيرة لسنوات متلاحقة...
أولا: المناخ الجيد والصالح للعيش على الساحل الشمالي الشرقي للجزيرة التي يمتاز مناخها عن غيرها من مناطق البحرين بطيب الهواء العليل الخالي من الوخامة الذي أوجد التمركز السكاني بها على دفعات زمنية متلاحقة .
ثانيا: كثرة الموارد المائية الطبيعية على الساحل من عيون طبيعية وكواكب تتميز بالعذوبة والغزارة في تدفقها, ويعرف الساحل بكثرة الكواكب دون غيرها من جزر البحرين وأحصيت هذه الموارد المائية في كتاب سماهيج في التاريخ بسبعة وستين موردا مائيا بين عين وكوكب, وإلا هنالك أكثر كما يروى عن كبار السن.
ثالثا: البيئة البحرية الغنية بالأسماك والحيوانات البحرية, والمطلة على أماكن استخراج اللؤلؤ, وكذلك انتشار المصائد البحرية على طول الساحل.
رابعا: الموقع الاستراتيجي الممتاز جعلها تخضع في بعض المنعطفات التاريخية لأطماع حكام المنطقة كما يلاحظ ذلك في فترة لاحقة بعدت سنوات بعد دخول أهلها للديانة الإسلامية ويرى ذلك واضحا في الاتفافية بين أمير جزيرة قيس والدولة العيونية.
خامسا: التربة الصالحة للزراعة ووجود الفلاحة ما أوجد ذلك في كثرة البساتين التي تنوعت في محاصيلها من الأشجار والنخيل والحشائش.
سادسا: تعرض المنطقة قديما وباستمرار لعمليات النهب والسلب والتخريب من قبل الغزاة وقراصنة البحر, وما حادثة عبيد الصلاح المشهورة إلا واحدة من عشرات الحوادث التي عصفت بالمنطقة فيما بعد. سابعا: الموقع الجغرافي القريب من وسط الخليج جعلها تتميز عن غيرها من المناطق والجزر.
ثامنا: اعتبر الساحل الشمالي الشرقي قديما محلا تجاريا واقتصاديا إقليميا لبيع وتثمين اللؤلؤ, وربما النصوص القديمة التي ذكرت مرفأ مسماهيج (التلمود البابلي ومرجع أرميني) تشير إلى الساحل ذاته فكل المؤشرات المروية عنه توضح ذلك وهو ما يوضح النشاط التجاري لأهل المنطقة.

الرابط النسطوري بين القرى الثلاث:
تقع هذه المناطق في الشمال الشرقي لجزيرة المحرق الحالية وتتوسط سماهيج كلا من قرية قلالي في الجنوب والدير في الغرب ومن خلال المعطيات التاريخية وتطابق الاسم لسماهيج بالموقع والأسقفية فهذه النقطة تبقى أكبر الشواهد الدالة على وجود الأسقفية في سماهيج مع الملاحظة الشديدة التي لا يشوبها اللبس والغموض كما أوردنا سلفا أن أسماء قريتي الدير وقلالي أسماء دينية بحتة ولها صلة بالعبادة والتعبّد بالديانة المسيحية وباللغة السريانية التي كانت اللغة الرسمية للنساطرة.
ثانيا: أن قرية الدير كانت في السابق خالية من السكن وأهلها حاليا من أهل سماهيج وكانت تسمى في السابق بـ (ديرالراهب) على غرار الأديرة ديركلوني ودير البلح ودير السيدة العذراء إلخ، وبعد ذلك اضمحل اسم الراهب وبقية كلمة الدير إلى الآن, وبالنسبة لقلالي هي بعيده نوعا ما عن سماهيج بالنسبة لقرية الدير ولم يكن بها سكن إلى وقت قريب كما يروي كبار السن, وأول من سكنها قبيلة المنانعة, مما يدلل على وجود القلايات والدير وربما مجموعة من الأديرة حوالي سماهيج إبان وجود الأسقفية فيها.
ثالثا: لايزال في وسط قرية الدير حي (فريق) يسميه الأهالي (الراهب) وله تسمية أخرى (الكلية) بضم الكاف وهذا الحي في مكان مرتفع وبه مسجد يطلق عليه الراهب ويعتقد أنه كان في السابق هو الدير نفسه الذي سكنه الراهب بعد حدوث النزاعات والخلافات الدينية في أسقفية مسماهيج, ومن خلال الاسمين يتبين مدى الصلة بين الألفاظ ذاتها والديانة النصرانية التي تدل على وجودها.
رابعا: شوهدت في موضع بقرية سماهيج في بدايات القرن العشرين بعض الآثار النصرانية المندثرة, وهو موضع مرتفع ويقع حاليا بأحد أحياء القرية يطلق عليه (العالي) ويبعد عن مسجد الراهب بألف قدم تقريبا, ويعتقد أنه أحد أماكن العبادة للمسيحين في الماضي مما يقرب المعنى لوجود الأسقفية في المنطقة.
خامسا: لاتزال تستخدم بعض الكلمات باللهجة العامية الدارجة في الوسط الشعبي كما هي في ضمائر (انتين) و(انتون) والذي يراها بعض الباحثين أنها مفردات لها صلة باللغة الآرامية, وربما تكون هذه الألفاظ من تأثيرات النساطرة الذين كانوا يتحدثون بالسريانية.


شواهد أخرى:
من المعروف في الديانة المسيحية أن الكنائس يتم إيجادها في المناطق المأهولة بالسكان على غرار الجوامع والمساجد في الدين الإسلامي, وعلى عكس الأديرة والقلايات التي تكون ذات بعد معين عن مناطق السكن, فالصورة الاستنتاجية لأسقفية مسماهيج إن سلمنا بها فإنها تشير إلى أن الكنيسة أي كرسي الأسقفية كان في هذه المنطقة المذكورة في الشمال الشرقي لجزيرة المحرق وبالتحديد قرية سماهيج حاليا مع أخذ الاعتبار بالغموض الشديد الذي يخص موقع كلمة (مسماهيج) من حيث تحديدها تاريخيا، والنتيجة توضح أن الكنيسة بطابعها الرمزي كانت تتوسط البيوتات والسكن والموارد المائية ومصائد الأسماك التي تعتبر مهنة السكان وكذلك ربما كانت تحيطها البساتين من كل جانب وإلى ما هنالك من مرافق مدنية معاصرة لها كالمرفأ البحري الذي كان يعتبر سوقا رائجة لتجارة وتثمين اللؤلؤ في ذلك الوقت, ويمكن الاستنتاج من خلال هذه الشواهد لوجود الأسقفية في المنطقة أنها كانت ذات حضارة فاعلة, لها معالمها وثقافتها الخاصة ولعل هذا النص السرياني المنسوب لأحد كبار النساطرة (إسوجاب) يفيد بشيء من هذا القبيل لإيمان أهل سماهيج وبفضلهم على تقوية الجزيرة كما ينقل هذا النص صاحب كتاب تاريخ البحرين في العصور القديمة بيتر كورنول بما يتضمن مسمى سماهيج ويصف أهلها بالمؤمنين (أنتم, أيها المؤمنون, الذين بفضلكم قويت الجزر, وقاطنوا الصحراء بوجه خاص دارين, مسكماهيج, تلون, خطا, هجر).


نشرت في صحيفة الوسط
العدد : 2743 الخميس 11 مارس 2010م الموافق 25 ربيع الاول 1431هـ