طبيعة السواحل

طبيعة السواحل

الجمعة، 9 أبريل 2010

بندر «ريا» وصلته التاريخية بميناء سماهيج

سماهيج - جعفر يتيم
يقع في الجهة الشمالية الشرقية لجزيرة المحرق (سماهيج التاريخية) على بعد حوالي النصف كيلو تقريبا من الساحل وبالتحديد الجهة المقابلة لرأس ريا ويطلق عليه الأهالي (البندر) وسمي المرفأ باسم منطقة ريا لقربه منها وهي من قرى سماهيج القديمة المعروفة بالبساتين ووفرة الماء, وكما هو معروف ان مستوى البحر منخفض ومياهه قليلة العمق فإن مركز البندر بداخل البحر في نقطة مكشوفة وأكثر عمقا للمنطقة البحرية المجاورة للساحل وهو عبارة عن خور قليل العمق ومساحته صغيرة (في حالة المد مترين أو أكثر وفي حالة الجزر يكون ارتفاعه مترا واحدا) ويعتمد البحارة بوضع سفنهم ومحاملهم الكبيرة في البندر, وإذا كانت حالة الجزر شديدة توضع المحامل والبوانيش في منطقة العظم شمال غرب البندر الأكثر عمقا, أما القوارب الصغيرة فإنها ترسو بمحاذاة الساحل في منطقة الغليل, ويحد البندر من الشمال منطقة النكل والعظم ومن الشرق الزغبة والمطاف ومن الجنوب الخوانجة والحرف ومن الغرب فناء ساحل ريا، ويعتبر المرفأ نقطة انطلاق السفن الكبيرة لاستخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك منذ القدم فكان البحارة قديما ينقلون أمتعتهم عبر قوارب صغيرة إلى البندر ويركبون بها سفنهم وبعد رجوعهم من رحلة الصيد والغوص ينتقلون إلى القوارب ذاتها ومن ثم إلى الساحل لإنزال أمتعتهم وصيدهم من لؤلؤ وأسماك.

مستوى ماء البحر:
فيما وراء الجهتين الشمالية والشرقية للبندر في داخل البحر يكون الماء أكثر عمقا من الساحل، وكلما اتجهت أكثر ازداد عمق الماء, وهناك مجرى للإبحار متوسط الاتساع يجري شمالا وجنوبا (وخليج البحرين كله من رأس راكان إلى رأس تنورة البالغ طوله 73 ميلا هو كتلة من الشعب الصخرية قليلة الغور باستثناء مجرى واضح متوسط الاتساع هو الذي يجري شمالا وجنوبا من الساحل الشرقي لجزيرة المحرق) (1)، وشمالا إلى الغرب يوجد مجرى بحري يستخدمه البحارة للإبحار يطلق عليه (خور سليل) إلا أن ذلك لا يخلو من عقبات تواجه الإبحار بالسفن للخروج من البندر وخصوصا في حالة الجزر نظرا لانخفاض مستوى الماء وكثرة الشعب المرجانية, وقيادة السفن تحتاج إلى ربان لديه الدراية بمعرفة طرق المنطقة ولذلك امتاز البحارة بمعرفة الطرق السالكة التي تسلك بهم إلى العمق وتوصلهم إلى محميات الأسماك ومصائد اللؤلؤ ومن ثم الرجوع إلى البندر بيسر وسهولة دونما أي مشاكل وعقبات يلقونها في طريق العودة, (وأعظم العقبات الكبيرة بالنسبة للملاحة في الخليج هي فشت الديبل بين جزيرة المحرق ورأس راكان لمسافة طولها أربعة أميال من الشمال الى الجنوب وثلاثة أميال عرضا, ثم فشت الجارم ويبلغ 15 ميلا من الشمال والجنوب وتسعة أميال عرضا في أقصى الشمال, وهو يحمي ميناء المنامة من الرياح الشمالية الغربية, وكثير من شعب جزر البحرين الصخرية جافة جزئيا في الماء الضحل. وفي الجانب الواقع تجاه البحر المفتوح تنتهي مياه البحرين الضحلة على بعد 54 ميلا عن شمال المحرق) (2).

البندر الوحيد في المنطقة:
لم تعرف السواحل الشمالية الشرقية للجزيرة طوال التاريخ غير هذا البندر المسمى بندر ريا بدليل أن السواحل الأخرى القريبة منه لا تصلح لرسو السفن فيها, فالسواحل الشمالية المحاذية للدير مياهها ضحلة وتمتد الصخور المرجانية بالقرب من سواحلها ومنها استفاد أهالي سماهيج منذ القدم في نصب المصائد البحرية (المساكر والحضور), والجهة الشرقية المقابلة لسواحل قلالي مشابهة كذلك لسواحل الدير فمياهها ضحلة وتكثر بها الصخور والشعاب المرجانية، واستثمر البحارة الأقدمون سطح الساحل لإصلاح وصيانة السفن وتجديفها بعد كل موسم من مواسم الغوص, ومن هذا الجانب الجغرافي والبيئي للسطح يتضح بعدم وجود مرفأ (بندر) للسفن غير البندر الموجود حاليا بالقرب من ساحل سماهيج وربما يكون ذلك أحد أهم الأسباب تاريخيا لتمركز السكان في الجزيرة في الزمن القديم مع وجود مصادر المياه الجوفية (العيون والكواكب) وخصوبة الأرض والفلاحة, وقد اشتهرت هذه المنطقة قديما بحب أهلها للبحر وصيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ وبناء المصائد البحرية (المساكر والحضور) وصناعة القراقير والشباك بالإضافة إلى الخبرة الواسعة بطرق البحار وبمراكز استخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك وقد اشتهر الكثير من النواخذة بعلم طوالع النجوم والمناخ ولذلك كان هذا البندر معروفا منذ القدم ولا يهدأ طوال اليوم بخروج ودخول السفن منه وإليه حتى عهد قريب, وفي إحصائية يذكرها صاحب كتاب دليل الخليج ج.ج. لوريمر لعدد السفن في موانئ قلالي والدير وسماهيج ما مجموعه 132 سفينة وقاربا حتى بداية القرن العشرين من ضمن 1947 سفينة في موانئ جزيرتي المحرق والبحرين, ولعل هذه السفن لم تكن للملاحة التجارية والتصدير وإنما كانت للإبحار في استخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك، إلا أن الإحصائية تبدو غريبة في مجموع السفن بميناء سماهيج وغير مطابقه للواقع المهني والمعيشي لأهل المنطقة على اعتبار أن الأهالي كانوا يعتمدون على البحر وفي ما يلي أعداد السفن وأنواعها (3):


ميناء قلالي

55 شويس وسمبوك - 4 شوعي وقوارب خفيفة: المجموع (59).

ميناء الدير

25 شويس وسمبوك - بقارة واحدة: المجموع (26)

ميناء سماهيج

6 شويس وسمبوك - 6 شوعي وقوارب خفيفة: المجموع (12)

وفي جدول القرى يذكرها بصورة أخرى (والقوارب 6 شوعيات وسمبوكا و6 ماشوات ويلحق 11 مركبا تستعمل لصيد اللؤلؤ) (4)

الدورالحضاري:
يعرف الخليج على أنه بحيرة ضخمة مغلقة مياهها ضحلة وتكثر فيها الخلجان الصغيرة والجزر المتناثرة بالإضافة إلى الصخور والأعشاب المرجانية التي تكون واضحة في حالة الجزر أي أن الملاحة فيه تكون صعبة وذات خطورة على الربان الذي لا يعرف ممرات الخليج ومرافئه (فالدخول إلى هذه الموانئ ليس بالأمر الهين إذ غالبا ما تكون مرافئ الخليج على هيئة مراس مكشوفة مياهها ضحلة وطبيعتها خطرة بسبب الرمال المتحركة والأحجار وسلاسل الصخور الواقعة قرب سطح البحر والتي يصعب تحديدها بحكم كونها غير واضحة المعالم) (5)

ولتوسط موقع أرض دلمون في الخليج أهمية كبيرة في التطور الحضاري بين شعوب المنطقة فمن خلال التأثر والتأثير لعبت التجارة دورا بارزا في تقوية أواصر شعوب المنطقة، حيث كانت جزر البحرين تعتبر موانئ بحد ذاتها بطبيعتها الجغرافية من خلال السفن التي ترسو بالقرب من سواحلها القادمة من بلاد الرافدين وشبه القارة الهندية والصين والبحر الأحمر وتقوم بعملية الشحن والتفريغ للبضائع والمؤن الغذائية والاستهلاكية في (البنادر)، وعرفت بعض الجزر ذلك مثل جزيرة سترة والنبيه صالح (6), وفي سنة 1901 بني مرفأ صغير بالمنامة لترسو السفن القادمة والمغادرة من المنامة (7) إذ كان هذا المرفأ هو الميناء الوحيد في أرخبيل البحرين (والمنامة وهي الميناء الوحيد لاستقبال المراكب التجارية في البحرين) (8) وكذلك كانت التجارة تتوزع بين المنامة والمحرق (وتتوزع التجارة مع قطر بين مدن المحرق والمنامة أما التجارة مع الإحساء والقطيف فإنها تتركز في المنامة) (9)، وفي الزمن القديم لم تكن هذه الجزر مجرد موانئ طبيعية ومركز تجمع التجار والسفن أو محطات للتزود فحسب أو كما يعرف بالوسيط التجاري، بل عرف عن أهل دلمون صناعتهم للسفن ورحلاتهم البحرية الاستكشافية ونزولهم لقاع البحر وتجارتهم عبر الخليج والبحر الأحمر لمزاولة التجارة.

وفي هذا المجال التجاري ليست هناك نصوص تاريخية تجزم أن بندر ريا كان مصدر تصدير وتفريغ رئيسي ورسمي لحضارة دلمون، إلا أن هذا البندر يقع في منطقة جغرافية واستراتيجية تؤهله أن يكون قد لعب دورا حضاريا وإنسانيا في تلك الأزمنة الغابرة ما قبل الميلاد, وحتى وقت قريب كما يروي كبار السن والبحارة أن هناك بعض المراكب الثقيلة والسفن الكبيرة كانت ترسو بوسط البحر وبالتحديد في الممر المائي للسفن الثقيلة بالقرب من الجزيرة شرقا على بعد 8 كيلوات عن بندر ريا في منطقة يقال لها (بوية أم الدود) أو كما يطلق عليها البحارة البوية الحمراء، ومنها تنقل البضائع إلى السفن الصغيرة وتوزعها إلى سواحل المنطقة على غرار ما كانت تتبعه السفن الكبيرة قديما القادمة للبحرين لترسو في المياه الأكثر عمقا بالقرب من الساحل الشمالي لجزيرة أوال لتنقل المسافرين والبضائع بالسفن الصغيرة إلى فرضة المنامة، وكانت بعض القوارب الصغيرة المسماة (العبرة) تصل إلى بندر ريا وسواحل سماهيج لنقل المسافرين إلى السفن الراسية في وسط البحر، وبالتالي تسلك هذه السفن الطرق الملاحية المعروفة إلى سواحل الجزيرة العربية القطيف ودارين وبلاد الرافدين, ويفيد ذلك أن هناك بعض الإشارات في المصادر والمراجع المحلية والعربية والأجنبية تشير إلى وجود مرفأ تحت اسم مشماهيج, مشمهيج أو مسماهيج باللغة السريانية في التلمود ومرجع أرمني آخر, كما جاء موقع المرفأ في نصوص أخرى بصيغة كلمة (ميناء)، أحد هذه النصوص يوضح تجارة جلب اللؤلؤ وتصديره، والنص الآخر يشير إلى فرض الجزية على اليهود (ويجلبون اللؤلؤ من الميناء التابع للفرس, الذي يدعى ميناء مشماهيج), (أعطوا الملك الفارسي 21 ولاية ومينا مشماهيج), وترتبط علاقة هذا المرفأ بتجارة اللؤلؤ قديما فلا يعرف موقعه الجغرافي بالتحديد وذلك لصعوبة تحديد موقع سماهيج التاريخية والمصادر التاريخية في ذلك متنوعة في وصف الموقع فتارة تصف سماهيج أنها جزيرة وتارة تصفها أنها منطقة أكثر اتساعا من ذلك ولهذا يصعب تحديد موقع مرفأ مشماهيج القديم وفي بقعة يقع من أطراف الجزيرة, ويحتمل أن يكون الموقع الحالي للبندر هو نفسه الميناء أو المرفأ كما عبرت عنه المصادر وذلك لما تحويه منطقة الساحل الشمالي الشرقي من مواصفات جغرافية واستراتيجية مناسبة بالإضافة إلى التمركز السكاني والنشاط البحري لأهالي المنطقة لقرون ممتدة طوال التاريخ, والموقع ذاته كان من أهم المناطق البحرية في المنطقة وبه كان اعتماد ساكني جزيرة (سماهيج) المحرق الحالية منذ القدم (أما دارين والعقير والفرضة والغابة وخرشاف وسماهيج وحوار فتلك موانئ صغيرة اشتهرت في الأيام القديمة) (10).

لعب المرفأ دورا كبيرا في تنشيط الحياة التجارية والاقتصادية والمعيشية على المستوى المحلي والإقليمي من خلال بيع وتثمين اللؤلؤ(كان لسماهيج دور بارز في مجال تجارة اللؤلؤ حيث فتحت سواحلها كمرافئ لكل القوارب والسفن العابرة لصيادي السمك والجواهر الثمينة المارين من وإلى ميناء أرادوس وحضنت تجارة اللؤلؤ والنواخذة لتصبح سوقا للتثمين والمزايدة في أسعار اللؤلؤ (بورصة) في وقتنا الحاضر فكانت تعتبر من أقدم المدن الزاهرة على ضفاف الخليج العربي, ومن الأسواق المشهورة ذات الرواج في إقليم أوال) (12)
البندر في أواخر القرن العشرين:
ولما كان صيادو الأسماك تعوقهم الحركة من وإلى البندر لتوصيل مستلزماتهم وأمتعتهم البحرية بادرت في هذا الشأن إدارة الثروة السمكية لإقامة معبر من رأس ريا إلى البندر لمساعدة الصيادين في دخولهم وخروجهم وذلك في العام 1986 تم البدء في العمل على ترصيفه واستخدمه البحارة في أعمالهم البحرية وبقرب البندر دفن البحر وبنيت عليه جزيرة صغيرة ووضعت أنابيب في قاع البحر للتخفيف من قوة التيارات المائية وتلاطم الأمواج, وفي بدايات حرب الخليج الثالثة بعد احتلال الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين لدولة الكويت من العام 1990م استخدمت الجزيرة لأغراض عسكرية من قبل قوات التحالف وهي عبارة عن قاعدة عسكرية لإطلاق الصورايخ المضادة (الباتريوت) صورايخ سلاح الجو العراقي المعروفه باسم (سكود) وفي هذه الفترة لاقى البحارة في دخولهم وخروجهم من البندر صعوبة كبيرة وذلك للتفتيش المستمر من قبل الجنود, وبعد الانتهاء من الحرب على العراق أخليت المنطقة من جنود قوات التحالف وأصبحت المنطقة مركزا أمنيا لخفر السواحل ونقطة تفتيش مركزية على الساحل الشمالي الشرقي, وفي بداية التسعينيات ومع الاضطرابات السياسية والأمنية في البلاد تم زيادة حدة التشديد على البحارة في دخولهم إلى المنطقة إلى أواخر التسعينيات وتم الإفساح للبحارة في ذهابهم وعودتهم.

بعد دفن الساحل:
بعد عمليات ردم البحر المتواصلة للسواحل أصبح البندر ملامسا للساحل في قبالة جزر أمواج الصناعية ولم تعد كما هي من ذي قبل وأصبح المعبر في بدايته من رأس ريا قاسما بين الساحل الشمالي والبندر تعبر عليه مركبات الشركات والمؤسسات المعنية بدفن الساحل وتخليص معاملاتها، ولعل البندر بحلته الجديدة حاليا أقل شيء يجب أن يكون تعويضا للبحارة وأهل المنطقة بعد فقدانهم السواحل، ولم يكن البندر من قبل يطلق عليه مرسى أو مرفأ لوضعه القديم والتقليدي فإن السفن والمحامل في الوقت الحالي تلامس الرصيف بينما كانت من قبل ترسو في بقعة بحرية مفتوحة قريبة من السواحل.

الجمعة، 26 مارس 2010

قصار جردي/ المعلم السياحي المدفون.

سماهيج - جعفر يتيم
قصار ومعناه في العرف الدارج لدى البحارة (صخرة بحرية غير مستوية ذات لون بني ويميل بعضها إلى اللون الأسود، وتختلف القصاصير في أحجامها بحسب موضعها البحري، وتعتبر موضع أمان للبيئة البحرية التي تتكاثر فيها الأسماك), يقع القصار في منطقة الشريط الضحل الممتد للساحل الشمالي الشرقي لجزيرة المحرق (سماهيج التاريخية) ذات الصخور والأعشاب المرجانية وبالتحديد في الشرق من أطراف ساحل سماهيج الشرقية وفي الجهة الشمالية الشرقية من ساحل قلالي ومساحته تقدر من 40 إلى 50 قدما على شكل دائري يشبه الجزيرة الصغيرة ويرى بالعين المجردة من على رمال الساحل كأنه مرتفع جبلي بلونه المائل إلى السواد في حالة الجزر وفي حالة المد يظهر ارتفاعه في حدود القدمين أو أكثر، وفي بعض الأحيان في ماية الشوع في أوائل ومنتصف الشهر القمري يتغطى سطحه بالكامل, وكثيرا ما يشاهد على سطحه من بعيد حلقات من الطيور البحرية (اللوه) وهو يعتبر مأوى لها ومسكنها الدائم, والقصار بحد ذاته يعتبر بيئة صالحة ومحمية للأسماك والحيوانات البحرية للتكاثر, وهو من ضمن أشهر القصاصير الثلاثة المعروفة المحيطة بالجزيرة (خصيفة وأبو شاهين) وفي موقع متوسط بينهم في الساحل الشمال الشرقي, ويلاحظ موقع القصار في الخرائط الجغرافية السابقة والقديمة لأرخبيل البحرين تحت مسمى قصار جردي أو جرذى بحرف (الذال) أما تسميته عند الأهالي كانت معروفة ومقتصرة على كلمة (القصار) بلفظ الكاف وقد جاءت تسميته في بعض المصادر تحت وصف جزيرة, ويصفها الكاتب الإنجليزي لومير على أنها جزيرة صغيرة (جزيرة صغيرة على الشاطئ المرجاني, على بعد ميل واحد عن شمال شرق قلالي) (1) وفي الجهات الشمالية والشرقية والغربية لموقع القصار توجد العديد من المصائد البحرية (الحظور والمساكر) لأهالي قريتي سماهيج وقلالي، ويعتبر السطح المحاذي للقصار غنيا بالحشائش البحرية (محشة) التي تغذي الأسماك والحيوانات البحرية وفي هذه المنطقة في حالة الجزر يأتي الكثير من البحارة لاستحصال هذا الطعم المسمى (الحشيش) وهو يعتبر من أفضل الحشائش في المنطقة ذات النوعية والجودة الجيدة لصيد الأسماك وبالقرب من القصار يوجد مورد مائي من جوف الأرض المسمى كوكب ينبوع ماء (جوجب) شرب منه الأهالي كما يذكر ذلك صاحب التحفة النبهانية «وشربهم من ينبوع في البحر يسمى (جرذي)» (2) وصاحب كتاب عقد الآل (وشرب أهلها من ينبوع البحر يسمى جرذى) (3) ويصف كذلك لوريمر (وبجانبه ينبوعان عذبان في البحر يعلو سطح الجزيرة قدمين عن سطح البحر). (4) إلا أن كبار السن وبحارة المنطقة يرون أن هناك ثلاثة ينابيع شاهدوها رأي العين وشربوا منها وهي أكثر غزارة وتدفقا للماء من الكواكب القريبة من الساحل بحسب ما يذكرون .

القصار في القصص والروايات القديمة:
لبعد القصار تقريبا عن مساكن الأهالي في الساحل الشمال الشرقي وإحاطته بالماء من كل جانب لابد أن بعد المسافة ووحشة الطريق وظلمة الليل الحالك تجعل إنسان هذه المنطقة يتصور الكثير في مخيلته وتتحول إلى فكره مما يؤدي إلى انعكاس ذلك الشعور إلى حقيقة أو ربما عقيدة يؤمن بها ويمارسها في طقوسه الدينية كما هو الحال في الديانات القديمة التي مرت على أهل البحرين ما قبل الميلاد في حضارة دلمون وخصوصا هذه المنطقة من جزيرة المحرق (سماهيج التاريخية) لذلك ارتبطت بظاهرة المياه الجوفية (الكواكب) وبموقع القصار الكثير من الروايات ذات الطابع الأسطوري لشخصيات خيالية ووهمية مخيفة تسكنها وتحرسها, وإلى وقت قريب كان البعض يخشى الذهاب إليه ليلا تحاشيا لوقوع المحذور.
ويعتقد الكثير من كبار السن بقرية سماهيج نقلا عن آبائهم أن منطقة القصار كانت جزءا من بلدة مأهولة هي امتداد للشريط البحري الضحل لرأس الحد ونهايته عند العين المعروفة عين (جلب) في الشمال وموقعها حاليا جزر أمواج الصناعية, وكذلك يروي البحارة وكبار السن أن القصار بحجمه في السنوات الأخيرة كان أكبر بكثير من حجمه قبل دفنه ويذكرون أن فيه مسجدا في الزمان الماضي قد اندثر وبالإشارة إلى هذه الرواية ربما يكون هو المقصود من الحطام الذي ذكره لومير في وصفه للقصار (فيها حطام منزل) (5)

أحد المعالم السياحية:
تعتبر المصائد البحرية (الحظور والمساكر) والمحشات والسطح والشعاب والصخور المرجانية مظهرا من المظاهر الملفتة للنظر من أمام موقع سطح القصار وإذا كانت تلك من أفضل المظاهر للقصار فإن القصار هو أحد أبرز المعالم الساحلية للساحل الشمالي الشرقي للجزيرة, والقصار بوصفه جزيرة وبيئة ومحمية تتكاثر من حولها الأسماك فإن القصار بموقعه كان معلما سياحيا لأهالي المنطقة يرتادونه باستمرار في جولاتهم ورحلاتهم الأسبوعية الساحلية للاستجمام والراحة والتنزه والكشتة فكان الأهالي يذهبون إليه من ساحل سماهيج مشيا على الأقدام وبأيديهم أمتعتهم وطعامهم وهناك من يأتيه قبل فترة من حالة الجزر بالقارب ومعه عدة الرحلة والتنزه فيفرشون أمتعتهم فوق القصار ويجلسون ويأكلون في ذلك الهواء العليل, ويقومون بجولات تفقديه من حوله وبأيديهم الكاميرا الفوتغرافية لأخذ الصور التذكارية, إلا أن الظاهرة الاجتماعية الأبرز والتي تتكرر في كل عام هي الرحلات الجماعية إلى القصار في عيد الأضحى لرمي الأضحيات وهذه الظاهرة قد اعتاد عليها الأهالي منذ زمن بعيد وكذلك النذور والوعود لإقامة الولائم ودعوة الأهل والأصحاب لأكل الوليمة.
وفي الحقيقة إن القصار كان معلما سياحيا ومصيفا يرتاده الأهالي باستمرار لإنعاش النفس والذاكرة والاستمتاع بهواء البحر العليل بالدرجة الأولى وللتنزه واللعب والصيد بالدرجة الثانية، فقد شرب الأهالي من ينابيعه العذبة فكانت لهم أجمل الذكريات التي احتفظوا بها وأروع القصص والحكايات التي صاغوها ونقلوها للأجيال ولهذا فإن التراث الشعبي غني في ذاكرته عن هذا المعلم السياحي والمصيف الجميل, إلا أن الدفان والاستثمار المالي لبناء مشروع الجزر الصناعية كان له أسوأ الأثر في طمر وتغييب أحد أجمل المعالم المشهورة والبارزة في الساحل الشمال الشرقي للجزيرة.


_________
1-كتاب الخليج الجزء الرابع الجغرافي – ص (1605)
2-التحفة النبهانية –ص (44)
3-عقد الآل في تاريخ أوال – ص(44)
4-كتاب الخليج الجزء الرابع الجغرافي – ص (1605)
5-كتاب الخليج الجزء الرابع الجغرافي – ص (1605)


نشرت في صحيفة الوسط
العدد : 2757 الخميس 25 مارس 2010م الموافق 09 ربيع الثاني 1431هـ

الثلاثاء، 16 مارس 2010

الدلائل على وجود أسقفية سماهيج.

الدلائل على وجود أسقفية سماهيج

سماهيج - جعفر يتيم
لا توجد أدلة ملموسة وواضحة للأسقفية لا من خلال الآثار ولا من خلال المصادر التوثيقية العربية وذلك أن هذه المصادر وإن كتبت عن الديانة المسيحية فهي بطبيعة الحال تواجه فقرا شديدا لما للأسقفية من صلة وليس فقط عنها بل عن الديانة المسيحية بشكل عام ووجودها في إقليم البحرين والمصادر الوحيدة هي المراجع السريانية والأجنبية بالإضافة إلى الترجمة التي قام بها منذر الخور, إلا أن هناك شواهد لغوية حية تتضمن ثلاث مسميات لاتزال باقية ومتداولة إلى الآن وهي قرى (سماهيج, الدير, قلالي) إضافة إلى مجموعة من الكلمات المتداولة التي لها صلة باللغة الآرامية وهي تدلل على تراث مسيحي سرياني له صلة بوجود المسيحية وأسقفية اسمها (مسماهيج) .


لغة الكنيسة:
الكنيسة لفظة سامية تعني المجمع وهي مكان مخصص للعبادة لدى المسيحيين يمارسون فيها طقوسهم الدينية, كانت اللغة الرسمية للكنيسة الشرقية (النسطورية) هي السريانية كما توضح نصوص المجامع النسطورية ذلك, والتي وجد فيها اسم أسقفيات إقليم البحرين ومن ضمنها أسقفية مسماهيج.
ويذكر جواد علي هذا الأمر بخصوص لغة النساطرة ولما كانت السريانية هي اللغة الرسمية لهذه الكنيسة، صارت هذه اللغة بهذه الصفة لغة نصارى العرب، بها يرتلون صلواتهم في الكنيسة وبها يكتبون، وإن كانت بعيدة عنهم غير مفهومة لدى الأكثرية منهم. كانت على كل حال لغة رجال الدين. وجلهم من رجال العلم في ذلك الزمن. فهي عندهم لغة للدين وللعلم، كما كانت اللاتينية لغة للدين والعلم عند الرومان، والإغريقية لغة للدين والعلم عند اليونان، والعربية عند المسلمين.
قلالي:
وهي إحدى الألفاظ المسيحية لأماكن تعبدهم, مفردها قلية أو قلاية وتجمع قلالي وقلايات, وتأتي مرادفة للصومعة والدير, أي أن القلاية كما يورد البكري بناء كالدير, وينقل جواد علي في كتابه القلاية وهي كالصومعة، يتعبد فيها الرهبان، وهي من الألفاظ المعربة، عربت من أصل يوناني هو «Kelliyon» ومعناه غرفة راهب أو ناسك. ومن هذا الأصل انتقلت اللفظة إلى السريانية فصارت «قليتا»، فانتشرت بين نصارى بلاد الشام بصورة خاصة ثم بقية النصارى ومنها دخلت العربية, وعرف علماء العربية أنها من الألفاظ المعربة، فقالوا: هي تعريب كلاذة، وهي من بيوت عباداتهم، أي عبادات النصارى, والقلالي عادة ما تكون بعيدة عن الكنيسة ومنطقة السكن, وفي لسان العرب لما صالح عمر نصارى أهل الشام كتبوا له كتابا (إنا لا نحدث في مدينتنا كنيسة ولا قلية).

الدير:
إحدى المفردات في الديانة المسيحية, وهي لفظة سريانية الأصل عربت بمعنى دار أي بيت الراهب ومسكنه، ولا سيما المحصن ثم خصوا بها مسكن الرهبان, وفي معجم البلدان الدير بيت يتعبد فيه الرهبان ولا يكاد يكون في المصر الأعظم إنما يكون في الصحارى ورؤوس الجبال.

الراهب:
وهي مفردة نصرانية وإحدى مسميات رجال الدين المسيحيين وجمعها رهبان, والراهب هو المتبتل المنقطع إلى العبادة, وعمله هو الرهبانية, ذكر بعض علماء اللغة أن الرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبنة, في حين مقتها وذمها الدين الإسلامي لما ورد في هذه الآية الكريمة (ورهبانية ابتدعوها) وفي الحديث الشريف (لا رهبانية في الإسلام).

موقع الأسقفية:
هناك سؤال ملح لايزال يطرق فكر الباحثين عن تحديد موقع جغرافية مسماهيج في الأصل قبل التحدث عن تحديد مكان الأسقفية فلاتزال الأمور مبهمة وفي غموض تام من غير التأكيد على المنطقة، وما هنالك إلا آراء واعتقادات تدخل من باب الاستنتاج والتوقع, فكلمة سماهيج التي تشير حاليا إلى قرية في الشمال الشرقي لجزيرة المحرق كانت في السابق تطلق على الجزيرة نفسها فهو أمر مسلم به تاريخيا كما تثبت ذلك المصادر والخرائط الجغرافية، إلا أن هناك مصادر تاريخيه تنوعت في تحديد المنطقة بعضها يصفها أنها جزيرة في وسط البحر وبعضها يصفها أنها موضع بجانب الساحل, والمصادر الأقدم منها ذهبت إلى أكثر من ذلك في إطلاق الكلمة على أرخبيل البحرين كما يلاحظ ذلك في الكتابات الفارسية (ميش ماهيك أو ماشي ماهي, مشماهيج) وفي المصادر السريانية (مسماهيج, مسكماهيج , مسمهيج) وهنا تتضح حقيقة غير مؤكدة من خلال المسميات في الإشارة إلى التسمية الفارسية والسريانية وانتسابها في الأصل إلى أي لغة منها، وهو ما يدل على الصراع على إثبات مكانة اللغة عند الفرس والسريان, إلا أن بعض المصادر العربية تأصلها تأصيلا عربيا حين الرجوع إلى كلمة (سمهج) في حين ذكر بعض المتخصصين باللغة أنها معربة من كلمة (ماشي ماهي).
ومن خلال تطابق المسمى الفارسي والنسطوري والعربي الذي يشير لسماهيج وجغرافيتها في السابق مع المصادر الأجنبية والعربية اللاحقة لها يمكن الاستنتاج بوجود موقع الأسقفية في موضع معيّن من جزيرة المحرق الحالية وهي قرية سماهيج وبالتحديد في الشمال الشرقي منها وذلك لعدة أسباب اجتماعية وسياسية وتاريخية متداخلة, ومميزات طبيعية وجغرافية أثرت في هذه البقعة دون غيرها من مواضع الجزيرة لسنوات متلاحقة...
أولا: المناخ الجيد والصالح للعيش على الساحل الشمالي الشرقي للجزيرة التي يمتاز مناخها عن غيرها من مناطق البحرين بطيب الهواء العليل الخالي من الوخامة الذي أوجد التمركز السكاني بها على دفعات زمنية متلاحقة .
ثانيا: كثرة الموارد المائية الطبيعية على الساحل من عيون طبيعية وكواكب تتميز بالعذوبة والغزارة في تدفقها, ويعرف الساحل بكثرة الكواكب دون غيرها من جزر البحرين وأحصيت هذه الموارد المائية في كتاب سماهيج في التاريخ بسبعة وستين موردا مائيا بين عين وكوكب, وإلا هنالك أكثر كما يروى عن كبار السن.
ثالثا: البيئة البحرية الغنية بالأسماك والحيوانات البحرية, والمطلة على أماكن استخراج اللؤلؤ, وكذلك انتشار المصائد البحرية على طول الساحل.
رابعا: الموقع الاستراتيجي الممتاز جعلها تخضع في بعض المنعطفات التاريخية لأطماع حكام المنطقة كما يلاحظ ذلك في فترة لاحقة بعدت سنوات بعد دخول أهلها للديانة الإسلامية ويرى ذلك واضحا في الاتفافية بين أمير جزيرة قيس والدولة العيونية.
خامسا: التربة الصالحة للزراعة ووجود الفلاحة ما أوجد ذلك في كثرة البساتين التي تنوعت في محاصيلها من الأشجار والنخيل والحشائش.
سادسا: تعرض المنطقة قديما وباستمرار لعمليات النهب والسلب والتخريب من قبل الغزاة وقراصنة البحر, وما حادثة عبيد الصلاح المشهورة إلا واحدة من عشرات الحوادث التي عصفت بالمنطقة فيما بعد. سابعا: الموقع الجغرافي القريب من وسط الخليج جعلها تتميز عن غيرها من المناطق والجزر.
ثامنا: اعتبر الساحل الشمالي الشرقي قديما محلا تجاريا واقتصاديا إقليميا لبيع وتثمين اللؤلؤ, وربما النصوص القديمة التي ذكرت مرفأ مسماهيج (التلمود البابلي ومرجع أرميني) تشير إلى الساحل ذاته فكل المؤشرات المروية عنه توضح ذلك وهو ما يوضح النشاط التجاري لأهل المنطقة.

الرابط النسطوري بين القرى الثلاث:
تقع هذه المناطق في الشمال الشرقي لجزيرة المحرق الحالية وتتوسط سماهيج كلا من قرية قلالي في الجنوب والدير في الغرب ومن خلال المعطيات التاريخية وتطابق الاسم لسماهيج بالموقع والأسقفية فهذه النقطة تبقى أكبر الشواهد الدالة على وجود الأسقفية في سماهيج مع الملاحظة الشديدة التي لا يشوبها اللبس والغموض كما أوردنا سلفا أن أسماء قريتي الدير وقلالي أسماء دينية بحتة ولها صلة بالعبادة والتعبّد بالديانة المسيحية وباللغة السريانية التي كانت اللغة الرسمية للنساطرة.
ثانيا: أن قرية الدير كانت في السابق خالية من السكن وأهلها حاليا من أهل سماهيج وكانت تسمى في السابق بـ (ديرالراهب) على غرار الأديرة ديركلوني ودير البلح ودير السيدة العذراء إلخ، وبعد ذلك اضمحل اسم الراهب وبقية كلمة الدير إلى الآن, وبالنسبة لقلالي هي بعيده نوعا ما عن سماهيج بالنسبة لقرية الدير ولم يكن بها سكن إلى وقت قريب كما يروي كبار السن, وأول من سكنها قبيلة المنانعة, مما يدلل على وجود القلايات والدير وربما مجموعة من الأديرة حوالي سماهيج إبان وجود الأسقفية فيها.
ثالثا: لايزال في وسط قرية الدير حي (فريق) يسميه الأهالي (الراهب) وله تسمية أخرى (الكلية) بضم الكاف وهذا الحي في مكان مرتفع وبه مسجد يطلق عليه الراهب ويعتقد أنه كان في السابق هو الدير نفسه الذي سكنه الراهب بعد حدوث النزاعات والخلافات الدينية في أسقفية مسماهيج, ومن خلال الاسمين يتبين مدى الصلة بين الألفاظ ذاتها والديانة النصرانية التي تدل على وجودها.
رابعا: شوهدت في موضع بقرية سماهيج في بدايات القرن العشرين بعض الآثار النصرانية المندثرة, وهو موضع مرتفع ويقع حاليا بأحد أحياء القرية يطلق عليه (العالي) ويبعد عن مسجد الراهب بألف قدم تقريبا, ويعتقد أنه أحد أماكن العبادة للمسيحين في الماضي مما يقرب المعنى لوجود الأسقفية في المنطقة.
خامسا: لاتزال تستخدم بعض الكلمات باللهجة العامية الدارجة في الوسط الشعبي كما هي في ضمائر (انتين) و(انتون) والذي يراها بعض الباحثين أنها مفردات لها صلة باللغة الآرامية, وربما تكون هذه الألفاظ من تأثيرات النساطرة الذين كانوا يتحدثون بالسريانية.


شواهد أخرى:
من المعروف في الديانة المسيحية أن الكنائس يتم إيجادها في المناطق المأهولة بالسكان على غرار الجوامع والمساجد في الدين الإسلامي, وعلى عكس الأديرة والقلايات التي تكون ذات بعد معين عن مناطق السكن, فالصورة الاستنتاجية لأسقفية مسماهيج إن سلمنا بها فإنها تشير إلى أن الكنيسة أي كرسي الأسقفية كان في هذه المنطقة المذكورة في الشمال الشرقي لجزيرة المحرق وبالتحديد قرية سماهيج حاليا مع أخذ الاعتبار بالغموض الشديد الذي يخص موقع كلمة (مسماهيج) من حيث تحديدها تاريخيا، والنتيجة توضح أن الكنيسة بطابعها الرمزي كانت تتوسط البيوتات والسكن والموارد المائية ومصائد الأسماك التي تعتبر مهنة السكان وكذلك ربما كانت تحيطها البساتين من كل جانب وإلى ما هنالك من مرافق مدنية معاصرة لها كالمرفأ البحري الذي كان يعتبر سوقا رائجة لتجارة وتثمين اللؤلؤ في ذلك الوقت, ويمكن الاستنتاج من خلال هذه الشواهد لوجود الأسقفية في المنطقة أنها كانت ذات حضارة فاعلة, لها معالمها وثقافتها الخاصة ولعل هذا النص السرياني المنسوب لأحد كبار النساطرة (إسوجاب) يفيد بشيء من هذا القبيل لإيمان أهل سماهيج وبفضلهم على تقوية الجزيرة كما ينقل هذا النص صاحب كتاب تاريخ البحرين في العصور القديمة بيتر كورنول بما يتضمن مسمى سماهيج ويصف أهلها بالمؤمنين (أنتم, أيها المؤمنون, الذين بفضلكم قويت الجزر, وقاطنوا الصحراء بوجه خاص دارين, مسكماهيج, تلون, خطا, هجر).


نشرت في صحيفة الوسط
العدد : 2743 الخميس 11 مارس 2010م الموافق 25 ربيع الاول 1431هـ

الجمعة، 5 مارس 2010

أسقفية سماهيج والشواهد على وجودها (2 - 2)

الصراع السياسي الفارسي البيزنطي

سماهيج - جعفر يتيم
كان للصراع الحاد بين القوى العظمى آنذاك الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية أثر كبير على مواقف القبائل العربية في القرون الأولى الميلادية خصوصا بعد سقوط الأسرة الفرثية في فارس وقيام الدولة الساسانية 226 م فنجد هنا الولاء والتبعية موزع بين الدويلات العربية للقوى الكبرى ، فإمارة الغساسنة وموقعها غربا على الحدود الشرقية للشام وولائها للإمبراطورية البيزنطية، وإمارة اللخميين (المناذرة) وموقعها في الشرق على التخوم الغربية لنهر الفرات وولائهم وتبعيتهم للإمبراطورية الفارسية وهو ما يسمى بالإمارات الحدية التي كانت كلا من الإمارتين العربيتين تقوم بحماية حدود الإمبراطورية التي تدين لها بالتبعية والولاء من خلال التوسع ومد النفوذ، وكانت هاتين القبيلتين في صراع مستمر وفي بعض الأحيان يكون الصراع دفاعا عن مصالح القوى الكبرى في المنطقة، واستثمرت الدولتين العظيمتين في ذلك الوقت الخلافات الاقتصادية والسياسية والدينية التي نشبت بين هاتين الإمارتين العربيتين في مد النفوذ والتوسع.
والسؤال هنا هل لتبعية الإمارتين للدول العظمى في ذلك الوقت تأثير ودور كبير في انتشار المذاهب المسيحية الشرقية؟ وهل كان لهذه المذاهب نصيب منها في أرخبيل البحرين (أوال - سماهيج)؟
يمكن الاستنتاج من خلال ما ورد من أخبار عن مواقف وسلوك أمراء هاتين الدولتين وأتباع المذاهب المسيحية من المبشرين، فالإمارة الغسانية كانت تدين بالمسيحية على مذهب اليعاقبة وتدين بالولاء والتبعية الى الإمبراطورية البيزنطية ،والمناذرة اللخمين كانوا يتبعون الإمبراطورية الفارسية التي لاتزال على الوثنية، وفي الحيرة التابعة للفرس يكثر أتباع المذهب النسطوري المنبوذين من قبل العاصمة القسطنطينية والكنيسة البيزنطية معا بعد أن أبعدوا عنها وتكاثروا في شرق العراق بالحيرة وهنا تعليق للدكتور جواد علي «وأنا حين أقول إن النسطورية كانت قد وجدت لها سبيلا إلى أهل الحيرة، فدخلت بينهم، فأنا لا أقصد بقولي هذا إن أهل الحيرة كانوا جميعا على هذا المذهب، أو إنهم كانوا كلهم نصارى. فقد كان جُلّ أهل الحيرة على دين أكثر ملوكهم، أي على الوثنية، أما الذين اعتنقوا النصرانية، فهم العباديون، وبينهم قوم كانوا على مذهب القائلين بالطبيعة الواحدة، أي مذهب اليعاقبة، وبينهم من كان على مذهب آخر».
ومن خلال العداء ومجابهة التوسع البيزنطي سلكت الإمبراطورية الفارسية (الساسانية) سياسة الاحتضان لهذه الإمارة فكانت في أتم الاستعداد لحماية ومساعدة هؤلاء النساطرة في منحهم حرية العقيدة ومنحهم حرية التبشير بين أتباعهم والاستفادة من علومهم خصوصا من الناشطين المبشرين في مدينة الحيرة النسطورية التي من خلال رموزها نشروا تعاليم المذهب النسطوري والعقيدة النسطورية إلى الجزيرة العربية وإقليم البحرين وجزرها بما فيها جزيرة سماهيج، رغم ما كانت تدين به الإمبراطورية من ديانة وثنية إلى أنهم استثمروا هذا الخلاف الديني بين المسيحيّين وأوعزوا للنساطرة حرية التبشير ضد المذهب الرسمي للعاصمة القسطنطينية لمد نفوذهم وتحكمهم في المنطقة.
ولم يقتصر الصراع السياسي بين الإمبراطوريتين على الجانب الشرقي لشبه جزيرة العرب وجزرها بل امتد إلى جنوبها لمحاولة استقطاب القبائل والإمارات العربية بجانبهما ونرى ذلك في حادثة الأخدود في العام 523م في الصراع الذي نشب بين المسيحية واليهودية في نجران حينما أرسل النصارى يستنجدون بالإمبراطور البيزنطي جستن الأول ومنها اقتناص القسطنطينية فرصة أن تكون لها موطأ قدم في المنطقة عن طريق نجاشي الحبشة وهو أقرب ملك مسيحي لها، وما تلى ذلك من أحداث في استعمار حبشي مسيحي للمنطقة جعل الحاكم الحميري اليهودي الاستنجاد بأمير الحيرة في الحصول على المساعدة من الإمبراطورية الفارسية وهو ما حصل بالفعل بامتداد نفوذ الإمبراطورية الفارسية إلى جنوب الجزيرة العربية في العام 628م.


نصرانية قبيلة (عبدالقيس)
قبيلة عبدالقيس هي إحدى القبائل العربية الأصيلة التي كانت تسكن إقليم البحرين وجزرها، وكانت تهامة موطنها الأصلي بعد نزوحها منها واختيارها العيش بالقرب من سواحل البحرين إثر صراعها مع القبائل المجاورة لها، وبعد انتشار الدين المسيحي في الشرق تغلغلت الديانة بين أهلها بل إن النصرانية كانت غالبة عليها بفضل نصرانية سيدها وهو الجارود بن عمرو بن حنش المعلى وبعد ذلك وفد على الرسول (ص) وأسلم وهو ما يدل على أن المسيحية كانت ديانة القبيلة، والصلة بين سماهيج وقبيلة عبدالقيس على ما يبدو من النصوص الواردة في المصادرة اللغوية أوضحت أن سماهيج لعبدالقيس كما أشار إليها البكري في «معجم ما استعجم» وكذلك ياقوت الحموي في «معجم البلدان» وهو ما يعني أن عبدالقيس كانوا من القبائل التي سكنت سماهيج في بدايات القرون الأولى الميلادية.


دخول المذهب النسطوري لجزيرة سماهيج
في القرون الأولى الميلادية كانت أراضي البحرين وجزرها تابعة للفرس ويدين أهلها بالمجوسية واليهودية مع ملاحظة أن النصوص التاريخية الفارسية تشير إلى جزر البحرين بكلمة (مشماهيج) ولازالت هذه التسمية ترد في بعض الكتابات الحديثة للكتاب الإيرانيين، وبعد الدعم المتواصل للإمبراطورية الفارسية لأتباع المذهب النسطوري في العراق كان للتبشير دوره في الجزيرة العربية من قبل هؤلاء كما نقل جواد علي «وقد تسربت النسطورية إلى العربية الشرقية من العراق وإيران، فدخلت إلى «قطر» وإلى جزر البحرين وعمان واليمامة ومواضع أخرى» وهو ما يعني وصولها إلى جزيرة سماهيج (المحرق الحالية) وهنا بعض أسماء الأساقفة المبشرين الذين كانوا على أسقفية هجر ودارين ومسماهيج «وورد في أسماء من حضر المجامع النسطورية اسم أسقف يدعى «إسحاق» اشترك في مجمع النساطرة الذي عقد سنة 576م، كما ذكر اسم أسقف آخر يدعى «قوسي» اشترك في مجمع سنة 676 م. وقد كانا أسقفين على «هجر». كذلك وردت أسماء أساقفة من النساطرة تولوا رعاية شؤون أبناء طائفتهم في جزيرة «دارين» وفي جزيرة «سماهيج» وفي مواضع أخرى من الخليح، تولى بعضهم أعماله قبيل الإسلام وعند ظهوره، وتولى بعضهم رعاية شؤون أتباعه في أوائل عهد الإسلام» أما الأب لويس شيخو ينقل في كتابه النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية بعد ذكره لأسقفية هجر ودارين أن سماهيج كانت فيها كنيسة مسيحية وفي المجامع النسطورية أسماء ثلاثة أساقفة تولوا تدبيرها وهم باطاي وإلياس (410) وسركيس (576).

ما هي الأسقفية؟
بعد الاعتراف بالمسيحية أصبح من السهولة بمكان ترتيب البيت المسيحي في المناطق التي تدين بالمسيحية بعد ما كانوا يتجمعون في السر والخفاء، والأسقفية هي جزء من التنظيم الديني المسيحي وهو ما يعرف بالتنظيم الكنسي لدى رجال الدين المسيحين ومنذ انتشار العقيدة النصرانية كان رجال الدين المسيح يقسمون المناطق تحت مسمى (أسقفيات) يرأسها (أسقف) وهو الذي يقوم بالإشراف الديني والإداري على الجهاز الكنسي بأسقفيته، ولكل أسقفية كنيسة تتبعها أبرشيات يتولى إدارتها القساوسة وهذه الأبرشيات تمسك بدور العبادة في الأديرة والصوامع، ومجموع أسقفيات المنطقة تتحد وتتألف منها كنيسة يرأسها (المطران) وفوق المطران يأتي منصب البطريك وهو كرسي البطريريكية وكان التنظيم الكنسي في القرون الأولى الميلادية يختص بثلاثة مراكز لكرسي البطريريكية وهي روما، أنطاكية، الإسكندرية وبعد ذلك بيت المقدس والقسطنطينية، ويتضح من خلال النصوص السريانية أن أسقفية مسمهيج أومسماهيج كانت إحدى الأسقفيات في إقليم البحرين التي كانت تتبع البطريريكية النسطورية وتعرف بكنيسة أو مدن أو بلاد «قطرايا» بالإضافة الى الأسقفيات الأخرى (تالون،دارين،خط،هجر) وهذه الأسقفيات تمثل عدد من الكراسي في الكنيسة النسطورية.

سماهيج أقدم أسقفية
اتبع المبشرون النساطرة في إقليم البحرين نظم إدارية ودينية متبعة في العرف الكنسي فقد أقاموا في قطر مطرنة أسموها بالأرامية (بيت قطرايا) وهو كرسي للمطران ( «مطرابوليطي»، يقيم فيه، ويشرف على إدارة خمسة أساقفة، يقيمون في «ديرين» و«مشمهيغ» أي «سماهيج» وهجر وبلاد «مازون» و «حطا» المسماة «ييد أردشير»، وهي الخط). ولها سياسات وصلاحيات واسعة في عدد من الأسقفيات المجاورة التي يرأسها رئيس أساقفة فارس ويذكر نص في آخر مجمع نسطوري عقد سنة 676م أن بلاد البحرين كانت حافلة بالكنائس والأديرة ودعاة الدين، إلا أن الحال لم يتم على حاله بسبب الأزمات التي حدثت في فارس وانعكست على بيت قطرايا وامتدت في ذلك إلى وجود الخلافات بين أصحابها، وتشير إحدى النصوص الأجنبية لتاريخ النساطرة في جزيرة سماهيج إلى أن أول أسقفية وجدت في بيت قطرايا منصوصا عليها هي (أسقفية سماهيج)، ويظهر أنها أقدم أسقفية، وقد تولى تدبير شئونها الأسقف باطاي، وقد عزله المجمع الكنسي الذي عقد سنة 410م وعين مكانه الأسقف إيليا، ومن أساقفتها أيضاَ سركيس 576م، وفي سنة (649-659م) كان الأسقف إبراهام أحد رؤساء المتمردين في بيت قطرايا ضد أشويا الثالث الذي كان يحكم سماهيج غير أنه كان منذ زمن قريب من أسمى الأساقفة، ولم يحضر المجمع النسطوري الذي دعا إلى عقده جرجيس الأول في دارين العام 676م. وينقل الأب شيخو أن هؤلاء النصارى ثبتوا على دينهم بعد الإسلام كما يظهر من آخر مجمع نسطوري عقد سنة 57هـ -676م دبّر فيه الآباء عدة أمور دينية.


نشرت في صحيفة الوسط

العدد : 2736  الخميس 04 مارس 2010م الموافق 18 ربيع الاول 1431هـ

السبت، 27 فبراير 2010

أسقفية سماهيج والشواهد على وجودها (1 – 2)

سماهيج – جعفريتيم
للبحث والتنقيب عن مايسمى بأسقفية «مسماهيج» كما تلفظ بالسريانية فيه صعوبة كبيرة وذلك لشحة المصادر وبالخصوص عن الفترة التي مرت بها الديانة المسيحية في اقليم البحرين، وتعتبر الدراسة التي قام بها الكاتبان الفرنسيان جول بوشامب وكرستن روبن تحت عنوان (الأسقفية النسطورية في مسماهيج،بأرخبيل البحرين ) والتي قام بترجمتها للعربية الدكتور منذر الخورتعتبر المصدر الوحيد المتناول بين أيدينا،الا ان هناك بعض المعلومات ذات العلاقة نجدها بين السطورفي الكتابات الواسعة للدكتورجواد علي في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، وكتاب النصرانية وآدابها في الجاهلية للأب لويس شيخو اليسوعي وبعض من الكتابات المعاصرة قد أشارت الى الأسقفية، وبالطبع هؤلاء الكتاب اعتمدوا في كتاباتهم عن طريق نقل المصادر الأجنبية والسريانية وغيرها وهي معلومات قيمة وثمينة في قيمتها وتدل على جزء من الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية لفترة زمنية مرة على هذه البقعة من أرخبيل البحرين وهي الفترة الزمنية الواقعة في بدايات القرن الاول الميلادي الى القرن السابع الميلادي لظهور الإسلام وانتشاره في الجزيرة العربية.

مدخل لانتشار المسيحية للبحرين :
مرت المسيحية في بداية نشأتها بظروف صعبة وقد لاقى أتباع هذا الدين التضييق والحرمان والقتل من قبل الأباطرة الرومان الى أن جاءت فترة القرن الرابع الميلادي وتم الاعتراف بالمسيحية كدين معترف به داخل الدولة الرومانية في مرسوم ميلان العام 312م وبه تم التسامح مع المسيحين برد كل الحقوق الدينية الى اصحابها واعادة الكنيسة،وكان لانتقال العاصمة الرومانية من روما في الغرب الى بيزنطه في الشرق (اسنطبول) أثر كبير في انتشار المسيحية وتعاليمها في البلاد المطلة على العاصمة الرومانية ومن ثم توسعها وانتشارها الى الشرق وبالتحديد في أراضي البحرين (أوال – سماهيج أو مسماهيج ) وشبه الجزيرة العربية وذلك إثر اعتناق الإمبراطورية الرومانية في بيزنطه الدين المسيحي وترك الدين الوثني، وبعد التوسع ونشر الدين المسيحي في معظم البلدان المنطقة أصابت المسيحية اختلافات بين رموزها وجدل عقائدي مما أدى الى ولادة بعض الفرق المسيحية ( وتولد عن هذا الجدل ظهور «الآربوسية» أتباع «آريوس»، و«السبيلية» Sabellians وأتباع «الثالوث» Trinitarians ومذاهب أخرى نبعت من تلك البلبلة الفكرية التي أظهرها الاختلاف في طبيعة المسيح ) كما نشأت بعض المذاهب المسيحية في الشرق مثل المذهب النسطوري والمذهب اليعقوبي والمعروفة بالمذاهب الشرقية كما يذكر الدكتور جواد علي (وهما من المذاهب الشرقية، أي من المذاهب النصرانية التي ظهرت وانتشرت في الشرق، ووجدت لها مجالا وانتشارا في العراق وفي بلاد الشام ومصر والحبشة وجزيرة العرب) والمذهب النسطوري ينسب للبطريق «نسطوريوس» «نسطور» Nestorius، ومذهب اليعاقبة ينسب إلى «يعقوب البرادعي» Jacabus Baradaeus.
لعب أنصار المذهبين دورا كبيرا في التبشير بين القبائل العربية ونشر التعاليم المسيحية بينهم فأتباع المذهب اليعقوبي بذلوا جهدا كبيرا في نشر المسيحية في عرب بادية الشام و أهل العراق،( وصارت «تكريت» القاعدة الكبرى للمذهب اليعقوبي في العراق وبقيت محافظة على هذا المركز في الاسلام) بل أنهم أثروا في دولة الغساسنة وصار أكثر الغساسنة على مذهب اليعاقبة.
أما أتباع المذهب النسطوري فقد تسربت عقيدتهم الى شرق العراق وايران ووصلت الى قطروجزر البحرين واليمامة ومواضع أخرى من شبه الجزيرة العربية، الا هنا تبدو الامور واضحة أن الديانة المسيحية قد تغلغلت في أراضي البحرين ووصلت الى السواحل والجزر ومنها سماهيج بفضل جهود المبشرين النساطرة وتحركاتهم في أوساط البدو من القبائل العربية .

وسائل التبشير :
بعد الاعتراف بالدين المسيحي في القرن الرابع الميلادي كدين معترف به داخل أراضي الدولة الرومانية الى فترة بداية مسيحية الإمبراطورية وترك الوثنية ومابعدها سعى قياصرة الروم الى نشر المسيحية في العالم عن طريق البعثات خصوصا بلاد الشرق وقد أنشئت العكثير من الكنائس في شبه الجزيرة العربية وعلى سواحل الخليج (عدن وظفاروهرمز سوقطرى ونجران) ومن الوسائل التي استخدمها المبشرون للمذاهب المسيحية وكان لهم دور كبير في نشر المسيحية وتعاليمها بين صفوف القبائل الوثنية العربية ويوضح الدكتور جواد علي هنا إحدى الوسائل (فالأساقفة الذين كانوا يديرون أمور النصارى العرب ويبشرون بين القبائل الوثنية، أسهموا في الجدل الديني الذي قام أكثره على بحث موضوع طبيعة المسيح واشتركوا فيه، وبذلك نقلوا إلى العرب هذه الأبحاث اللاهوتية التي شغلت بال العالم المتمدن منذ القرن الأول للميلاد فما بعده، وكانت أهم مشكلات النصرانية يومئذ مشكلة شغلت بال المؤمنين واللغة العربية كانت إحدى تلك الوسائل فقد كانت مجموعة من الملتزمين بالمسيحية ورموزها عربا (وبينها أسماء أساقفة بشروا بين العرب، وأساقفة يظهر أنهم كانوا من أصل عربي بدليل أسمائهم العربية الخالصة أو المنقولة إلى اليونانية والسريانية. وقد عرف بعضهم بأساقفة الخيام، لمرافقتهم للاعراب ومعيشتهم بينهم في الخيام معيشة الأعراب.
ومن أساقفة الأعراب أسقف عرف باسم «بطرس»، وقد وقع على أعمال مجمع «أفسوس» بصفة كونه «أسقف محلة العرب»، والأسقف «تاوتيموس أسقف العرب» الذي وقع على أعمال مجمع انطاكية الذي انعقد العام 363 للميلاد، وقد كان بين أساقفة القدس في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس للميلاد، أسقف من أصل عربي، اسمه الياس «494- 513 م»
وسيلة أخرى متبعه وهي وسيلة التنقل والانتقال في أطراف شبه الجزيرة وعلى السواحل مع البحارة والتجار في تجارتهم للمناطق العربية من خلال تنمية وتوثيق العلاقات التجارية عبر القوافل، وكان لنصارى الحيرة في العراق التابعين لدولة المناذرة دور كبير في نشر تعاليم المذهب النسطوري (وأما العربية الشرقية، فقد دخلت النصرانية اليها من الشمال، من العراق في الغالب. ولكن بعض الروم كانوا قد وجدوا سبيلهم اليها، فدخلوها من البحر أيضا. فعششت في مواضع منها مثل البحربن، وقطر، وهجر، وبعض جزرالخليج. وكانت غالبية نصارى هذه الأرضين على مذهب نسطور آخذين هذا المذهب من نصارى الحيرة الذين كانوا على اتصال وثيق بهم، كما كان رجال دينهم يسافرون إلى هذه المنطقة للتبشير بها، فزرعوا فيها بذور مذهبهم، ونشروه بين من أقبل على النصرانية من العرب).
وكذلك اتباع المبشرين في عملهم المستمر والمتواصل بطرقهم التبشيرية الخاصة مبدأ الإقناع والتأثير والتطبيب وبالتقرب من ضعاف الحال،إذ كان لهم شان مهم في نقل التراث اليوناني والأرامي إلى جزيرة العرب في ايام الجاهلية.

الصراع السياسي الفارسي البيزنطي :
كان للصراع الحاد بين القوى العظمى آنذاك الامبراطوريتين الرومانية والفارسية أثر كبير على مواقف القبائل العربية في القرون الاولى الميلادية خصوصا بعد سقوط الأسرة الفرثية في فارس وقيام الدولة الساسانية 226م فنجد هنا الولاء والتبعية موزعان بين الدويلات العربية للقوى الكبرى، فإمارة الغساسنة وموقعها غربا على الحدود الشرقية للشام وولاؤها للامبراطورية البيزنطية،وامارة اللخميين (المناذرة) وموقعها في الشرق على التخوم الغربية لنهرالفرات وولائهم وتبعيتهم للأمبراطورية الفارسية وهو مايسمى بالإمارات الحدية التي كانت كل من الإمارتين العربيتين تقوم بحماية حدود الإمبراطورية التي تدين لها بالتبعية والولاء من خلال التوسع ومد النفوذ، وكانت هاتان القبيلتان في صراع مستمر وفي بعض الاحيان يكون الصراع دفاعا عن مصالح القوى الكبرى في المنطقة، واستثمرت الدولتان العظيمتان في ذلك الوقت الخلافات الاقتصادية والسياسية والدينية التي نشبت بين هاتين الإمارتين العربيتين في مد النفوذ والتوسع.
والسؤال هنا هل لتبعية الإمارتين للدول العظمى في ذلك الوقت تأثير ودور كبير في انتشار المذاهب المسيحية الشرقية ؟ وهل كان لهذه المذاهب نصيب منها في أرخبيل البحرين (أوال- سماهيج) ؟
يمكن الاستنتاج من خلال ماورد من أخبار عن مواقف وسلوك أمراء هاتين الدولتين وأتباع المذاهب المسيحية من المبشرين،فالإمارة الغسانية كانت تدين بالمسيحية على مذهب اليعاقبة وتدين بالولاء والتبعية الى الامبراطورية البيزنطية، والمناذرة اللخميون كانوا يتبعون الامبراطورية الفارسية التي لاتزال على الوثنية، وفي الحيرة التابعة للفرس يكثرأتباع المذهب النسطوري المنبوذين من قبل العاصمة القسطنطينية والكنيسة البيزنطية معا بعد أن أبعدوا عنها وتكاثروا في شرق العراق بالحيرة وهنا تعليق للدكتور جواد علي (وأنا حين أقول ان النسطورية كانت قد وجدت لها سبيلا إلى أهل الحيرة، فدخلت بينهم، فأنا لا أقصد بقولي هذا ان أهل الحيرة كانوا جميعا على هذا المذهب، أو انهم كانوا كلهم نصارى. فقد كان جل أهل الحيرة على دين أكثر ملوكهم، أي على الوثنية، اما الذين اعتنقوا النصرانية، فهم العباديون، وبينهم قوم كانوا على مذهب القائلين بالطبيعة الواحدة، أي مذهب اليعاقبة، وبينهم من كان على مذهب آخر). ومن خلال العداء ومجابهة التوسع البيزنطي سلكت الامبراطورية الفارسية (الساسانية) سياسة الاحتضان لهذه الإمارة فكانت في اتم الاستعداد لحماية ومساعدة هؤلاء النساطرة في منحهم حرية العقيدة ومنحهم حرية التبشير بين أتباعهم والإستفاده من علومهم خصوصا من الناشطين المبشرين في مدينة الحيرة النسطورية التي من خلال رموزها نشروا تعاليم المذهب النسطوري والعقيدة النسطورية الى الجزيرة العربية واقليم البحرين وجزرها بما فيها جزيرة سماهيج، رغم ما كانت تدين به الامبراطورية من ديانة وثنية الا أنهم استثمروا هذا الخلاف الديني بين المسيحيّين واوعزوا للنساطرة حرية التبشير ضد المذهب الرسمي للعاصمة القسطنطينية لمد نفوذهم وتحكمهم في المنطقة .
ولم يقتصر الصراع السياسي بين الامبراطوريتين على الجانب الشرقي لشبه جزيرة العرب وجزرها بل امتد الى جنوبها لمحاولة استقطاب القبائل والإمارات العربية بجانبهما ونرى ذلك في حادثة الأخدود في العام 523م في الصراع الذي نشب بين المسيحية واليهودية في نجران حينما أرسل النصارى يستنجدون بالامبراطور البيزنطي جستن الأول ومنها اقتناص القسطنطينية فرصة أن تكون لها موطأ قدم في المنطقة عن طريق نجاشي الحبشة وهو أقرب ملك مسيحي لها، وماتلا ذلك من احداث في استعمار حبشي مسيحي للمنطقة جعل الحاكم الحميري اليهودي الاستنجاد بأمير الحيرة في الحصول على المساعدة من الامبراطورية الفارسية وهو ماحصل بالفعل بامتداد نفوذ الامبراطورية الفارسية الى جنوب الجزيرة العربية في العام 628م


نشرت في صحيفة الوسط
العدد : 2729 الخميس 25 فبراير 2010م الموافق 11 ربيع الاول 1431هـ
 

الثلاثاء، 23 فبراير 2010

الدور الإعلامي

بقلم -جعفريتيم
الجانب الإعلامي كان الحلقة المفقودة في تاريخ النقابة لتأتي نشرة (رأي العامل) لتسد هذا الفراع الواسع والطويل في مشروع مؤسسي لعمل نقابي جاد وحقيقي, ويعتبر هذا الإصدار الاول من نوعه وهو انجاز تاريخي للنقابة الا أنه ليس النشاط الإعلامي الوحيد للجنة الإعلامية بل أن هناك أدوات ووسائل اعلامية أخرى تصب في مصلحة العمل النقابي كما هي خدمة (sms) والموقع الالكتروني الخاص بالنقابة وغيرها من الأنشطة الاعلامية التي سوف نعمل على ايجادها في المستقبل القريب , مايهمنا في هذه العجالة هو التواصل الإعلامي بين مجلس الإدارة للنقابة من جانب وأعضاء النقابة والطبقة العمالية بالشركة ليكون الإعلام إحدى الوسائل المساهمة في تفعيل وتجسيد الدورالنقابي لتحقيق آمال وطموحات الطبقة الكادحة .

رأي العامل - نقابة DHL
العدد الأول التجريبي

لماذا اللجنة الاهلية الإسكانية؟


بقلم-جعفر يتيم
بعد تشكيل اللجنة الأهلية لمتابعة الخدمات الإسكانية بقريتنا العزيزة سماهيج وصلتنا العديد من المكالمات الهاتفية المؤيدة والمساندة لمضمون بيانها التأسيسي ,وفي المقابل كانت هناك تسائلات من قبل الأخوة تريد ان تعرف كثيراً عن اللجنة واهدافها ويمكن لي يإيجاز شديد ان نوضح للاخوة الاعزاء في سماهيج لماذا تم تكوين اللجنة الاهلية في سطور قليلة.

للوهلة الاولى يمكن النظر في ضل تفاصيل الظروف الوطنية والاحداث والتطورات اللاحقة لعمليات مشاريع الإسكان في بلدنا العزيز البحرين أصبح من الطبيعي وجود لجنة تعنى بشؤن الخدمات الإسكانية ومتابعتها في كل منطقة وقرية ثانياً أن تكوين اللجان التخصصية حق لكل جماعة أخذت على عاتقها الدفاع عن أهالي قريتها ثالثاً ماوصلت اليه الأمور في التوزيعات الاخيرة من تجاوزات وفوضى ولعب على حقوق ومصالح الناس ليس بالسهل السكوت عليه وان يمر هكذا وللمزيد من المعلومات يمكن قراءة البيان التأسيسي للجنة الصادر بتاريخ 15-2-2010 . رابعاً أن تكوين لجنة في قرية الدير ولجنة اخرى في سماهيج هذا الأمر لايتعارض مع المطلب وإنما اعتقد ان هذا شيئ جيد ومكمل ومن الخطاً النظر اليه بنظرة الفتنة او الفرقة أو من قبيل تشتيت الجهود فهذه النظرة لم تعد لها وجود وإنما التعاون والتكاتف والتآزر هو من شانه الذي ينجح العمل فيجب على الواعين والعقلاء تفهم هذا الامر بخصوصية الامرالمؤلم الذي وقع على أهل سماهيج والمشروع في أراضيها وليس النظر اليه بنظرة المصلحة الفردية ,وهناك أمورمتعددة ومتشعبة لايمكن حصرها في مايخص تساؤلاتهم ولكن من حقنا جميعاً ان نتسائل أيضاً أفرادً ومؤسسات ونطرح هذا التساؤل لماذا هذا التأخير في ولادتها وتفعيلها ؟ أليس من حق الجيل القادم ومن حق أبنائنا توجيه اللوم والعتاب للآباء في ذلك ؟

أعتقد ان الجواب يكمن في تقصير الجميع في قرية سماهيج مؤسسات ولجان اهلية وشخصيات معروفة وأفراد وخصوصاً أصحاب الطلبات القديمة على حد سواء ( وحدات وقسائم ) وذلك من خلال عدم تحركهم الفعلي وتفرجهم على عمليات التوزيع بكل سماحة وطيبة مبالغ فيها , وهناك امور اخرى قد يطول بنا المقام لذكرها ويجب ان نتعلم جميعاً هذه الدروس التي مرت علينا لكي لاتكون هناك ردات فعل من الشارع لاإرادية مرة بعد مرة .

مايهمنا كلجنة قائمة حالياً أنها قد باشرت عملها المطلبي لتحقيق ولوشيئ يسير يطمح اليه الاهالي في القرية , وخلاصة الامر أن اللجنة لها استراتيجيتها ولها اهدافها المنشودة ولها أجندتها وبرامجها العملية في تحركها بالتواصل مع أصحاب الشأن وفي المستقبل القريب سوف تقوم بأنشطة مطلبية أخرى مساندة للأصحاب الطلبات .

أخيراً وبصفتي أحد أعضائها ونيابةَ عن إخواني باللجنة أدعو أصحاب الطلبات الإسكانية في القرية التكاتف وتقديم كل العون لنا والمساعدات ونهيب بالجميع شخصيات ومؤسسات التعاون معنا بالإقتراحات والمساهمات ومد يد العون المطلبي وتذليل العقبات التي يمكن أن تصادف اللجنة .



17-2-2010مـ

نشرت في صحيفة سماهيج الألكترونية

من موسم الأربعين

بقلم-جعفريتيم
لذكرى موسم أربعين الحسين (ع) في بدايات الثمانينيات كانت تتعلق باحداث خاصة واستثنائيه لمسيرة الموكب الحسيني في سماهيج والتي بدورها أثرت ايجاباً ودفعتها نحو التطور الى الامام بما نحن فيه الآن من الإعداد والتنظيم , أحداث كان أبطالها شخصيات ذات أثر واضح وبيّن على الموكب منها شخصية المرحوم الحاج عبدالحسين أبونصيب في مواقفه الداعمه للعزاء وتقدمه بالتمهيد للخروج من المأتم ومبادرته الدائمه بالإعلان عن بدء العزاء بذلك الصوت الحزين المرددّ للمأثور الحسيني (يوم عشرين صفر يوم الزيارة) هذه الشخصية لعبت دور كبير باهتمامها وحماسها الحسيني للشباب في تجمعها وحضورها بالتأكيد على استمرار خروج الموكب ليلاً الى أزقة وشوارع القرية بعدماكان الناس بين شذب وجذب للخروج بسبب إنشغالهم لليوم الثاني للذهاب الى الاعمال بالإضافة اقتصارهم على الإحياء الذي اعتادوا عليه في ذلك الوقت , مايفرقنا بين تلك الفترة الى هذه الذكرى 1431هـ مايقارب ثلاثون عاماً وهي امتداد لهها آثارها الطيبه وكانما تلك السنين هي بذرة تأسيس شعارها الإصرار للخروج للشارع استمرت الى يومنا هذا ,ونحن في ذكرى الأربعين نستذكر ماصنعته هذه الشخصية الحسينية التي قدمت الكثير من أجل الحسين (ع) وحافظت على الموكب في استمراريته ,وبصحيح العبارة لولا التضحيات والإقدام من قبل الأوائل رحمهم الله لما كان هذا الحضورالسنوي الفاعل في إحياء مصاب الحسين (ع).

نشرة الوسيلة - العدد 10

السبت، 2 يناير 2010

سماهيج التاريخية وسماهيج اليوم .



ظلمت وغيبت وهمشت تاريخياً على حساب غيرها من
الأسماء المستحدثة.

 
(سماهيج التاريخية وسماهيج اليوم )
.

اعداد-جعفريتيم
قد يستغرب البعض تسمية العنوان للمقدمة ويتسائل هل كانت قرية سماهيج غير ذلك وغير الذي نعرفه عنها ؟ وهل الذي لدى الدولة من المعلومات عنها غير الذي موجود في بطون الكتب التاريخية ؟
بالتأكيد سوف تكون الإجابة حاضرة بنعم , وكما أن أرخبيل البحرين التاريخي بأصل طبيعته الجغرافية قد تغير جراء جشع وطمع الحكومات المتعاقبة ووصل الى ماوصل اليه بالصورة الحالية من استحواذ على السواحل والجزر وتغيير الملامح الثقافية والأثرية للأرخبيل كذلك كانت سماهيج التاريخية قد نسف وغيب تاريخها عن الحقيقة مما أضربحقها الطبيعي لاحقاً .

التغييب التاريخي :
والحديث عن قرية سماهيج لايندرج في خانة الحديث عن العصبية القومية والمناطقية أو من حيث المنطق الايديولوجي والمذهبي وإنما حديث عن تاريخ وكشف عن حقيقة ضائعة بين الأسوار, و يعتقد الكثير ممن لديهم المتابعة التاريخية أنها علامة ومثال للدلالة والتهميش والتغييب الذي يعاني منه أرخبيل البحرين تاريخياً , وسماهيج إن قيست في ذلك فهي عينه واضحه من أمثله متكرره لأكثر قرى البحرين ولكننا وجدنا من جانب البحث أن هذه المنطقة ظلمت وغيبت وهمشت تاريخياً على حساب غيرها من الأسماء المستحدثه حديثاً حيث غيب اسمها جغرافياً ليكون اسماً آخر بديلاً عنها كما هو الحال لبعض مناطق الأم .

سماهيج التاريخية :
تنقل المصادر التاريخية القديمة أن كلمة سماهيج كانت تطلق على جزيرة المحرق الحالية حيث لم يكن معروفاً ولايوجد على الإطلاق شيئ اسمه محرق في الأزمنة التي عرفتها أرض أوال وعاشها البحارنة والقبائل العربية الآخرى التي قطنتها لاحقاً, و كانَ اسمها معروفاَ منذ العهد الجاهلي وكانت القبيلة التي تسكنها قبيلة عبد قيس , وقد وردت كلمة سماهيج في بعض المصادر والتراجم العربية والاوربية والسريانية والخرائط الجغرافية في عدت مسميات (مسماهيج ,سماهوي , سماهي, مسمهيج , مسمهج ,سماهي )وقد لوحظت في بعض الخرائط للمؤرخين والرحالة الأوربيين أن ذلك المعنى يشير الى الجزيرة ذاتها وهي سماهيج .
وهناك جملة من الشعراء قديماً تغنوا ببساتين سماهيج وجملة من المؤرخين تحدثوا عنها وعن رجالاتها في كتبهم مثل العلامة الشيخ يوسف العصفور البحراني في كتابه لؤلؤة البحرين , ومن الباحثين حديثاً من لديهم آراء حول سماهيج التاريخية الباحث البحريني د.علي أكبر بوشهري (1) ويمكن الاطلاع على شخصية المحدث السماهيجي الشيخ عبدالله بن صالح السماهيجي البحراني في كتاب أعلام الثقافة الاسلامية للباحث البحريني د.سالم النويدري تدلك على وجود سماهيج التاريخية آنذاك , والموقف الوطني للمحدث السماهيجي تجاه شعبه ووطنه وجهاده ضد الخوارج واليعاربة في منفاه ببهبهان (2) .
تعرضت جزيرة سماهيج قديماً للعديد من الضربات والهجمات من قبل الخوارج والغزاة أهمها هجمة العمانيون في عام 1737م وأطلق على هذه الحادثة ( عبيد الصلاح ) وراح ضحيتها العشرات من الشهداء لأهالي سماهيج (3) , الى أن جائت أسرة آل خليفة وبنوا لهم قصور في شمال سماهيج وبعد ذلك تم اطلاق اسم المحرق على الجزيرة في عام 1225هـ \ 1810 مـ وأصبحت تسمى جزيرة المحرق (4) , وهناك الكثير من الأدلة التاريخية التي تؤكد تاريخية تسمية سماهيج على جزيرة المحرق الحالية .ومما يأسف له حقاً أن الجهات الرسمية لاتزال تمارس التجاهل والتغييب لهذا التراث الوطني البحريني, والذي يزيد الطين بلة ذلك الترف الزائد في التحدث عن الاسم المستحدث دونما أي اعتبار للمناطق المجاورة كعراد والحد وقلالي والدير وكأنما هذه المنطقة الوحيدة في الجزيرة ولايجب التحدث عن أي اسماً آخرمغاير لها .
سماهيج اليوم :
قرية سماهيج يحدها في الشمال الغربي قرية الدير ومن الجنوب قرية قلالي ومن الغرب مطار البحرين الدولي , ولسماهيج في الشمال الشرقي طبيعة جغرافية ساحرة وواجهه رائعة وفي منتى الجمال بلونها الأخظر الذي كان يميزها بكثرة البساتين والعيون والينابيع العذبة , وذلك المنظر المهيب يكاد لايخلوا من البحارة وهواة الصيد من الصباح والمساء على سواحلها ولكن بعد ماذا ؟.
تتمتع الواجهة الشرقية لمياه سماهيج بمعالم حضارية ورموز بحرية قديمة اعتاد عليها البحارة منذ العصور المتأخرة وورثها الأجيال , وتعد هذه المعالم الحضارية بالنسبة للأهالي مصدر حياة وكفاح لما فيها من مصائد الأسماك والمحميات الطبيعية الا أن لمشروع جزر أمواج آثاره الضارة والسلبية على المنطقة فقد حجمت سماهيج وأصبحت أسيرت الجزر الصناعية ولم تعد سواحلها كما السابق مما أدى الى قطع أرزاق الأهالي الذين يمتهنون مهنة الصيد وذلك بتعرض الساحل الى الدفن والردم وتخريب البيئة البحرية من مصائد ومحميات بالكامل مما ادى الى هجرة الأسماك والحيوانات البحرية الى العمق , علاوة على تغيير الصورة بالكامل لذلك المشهد البحري الجميل من المساكر والحظور والمصائد البحرية الى صحراء قاحلة .

امتداد أم نهاية :
قرية سماهيج يبدو حالها كبقية أخواتها من قرى البحرين تم اهمالها عمرانياً و تحجيمها , والصورة واضحة ولاتحتاج الى دليل آخر فجزر أمواج قد ألغت سماهيج جغرافياً في امتدادها ودمرت بيئتها الطبيعية البرية منها والبحرية ولم يعد هناك بالامكان امتداد للمنطقة سوى بناء الأراضي المدفونه بحراً وتهيئتها للسكن لأهالي المنطقة , أما الجهات الثلاث الأخرى فيستحيل الامتداد منها .
انتزع حق سماهيج في التوسع والتمدد الطبيعي وحرم أهلها الملكية العامة , وأما تحجيم القرية العريقة بهذا الشكل أصبح في خلاف الأخلاق والحس الوطني والذي بدوره قضى على حق الأهالي والأجيال القادمة من موروثات الآباء والاجداد والنتيجة يقال عنها نهايات القرى وليست امتدادات القرى التي يتحدث عنها المسؤولون بالدولة .

حتى لا تضيع الحقيقة:
أسبانيا بلد غربي غير مسلم فتحها المسلمون الاوائل سنة 92 هـ , وقد سميت بعض مدنه ومناطقه باسماء عربية من قبيل الاندلس , مرسية و طليلطلة الخ وعرَب المسلمون الكثير من المسميات الأسبانية ولاتزال التسميات باقية الى يومنا هذا تستخدم ويعتز بها وهي أسماء أعجميه بالنسبة لساكني شبه جزيرة أيبيريا, وفي البحرين هناك من المرضى والمألهين للذات الانسانية لازالوا ينادون بمسح وتغيير أسماء القرى العريقة , هنا تجد المفارقة العجيبة بين الانتماء للوطن والاعتزاز به وبين المنفعة والولاء المطلق للحاكم ؟ .
المواطن الشريف والوطني المنصف يعتز بتاريخ وطنه ويكون متششداً بالحفاظ على التراث الثقافي لوطنه ولعل أبلغ حديث عن ذلك يمكن قرائته من خلال ماطرحه سماحة العلامة الشيخ عيسى قاسم في خطبته (نعارض جداً تغيير الإسم التاريخي لأي قرية من القرى، أو مدينة من المدن في هذا الوطن، لأن ذلك يتضمّن إخفاء تاريخ مشرق لوطننا العزيز، ويؤدّي وظيفة تزوير خطير لأمجاده.) (5) .

وانت قادم من الشارع المحاذي لمنطقة العمليات للجزر السبع والمؤدي الى مرفأ رأس رية كانت هناك قبل عدت شهور لافتة كتب عليها عبارة (ديارالمحرق) على غرار ضاحية السيف وضاحية الفاتح والآن لوحظ اختفائها ولاندري هل هي تهيئة للعودة لسياسة عقلية الفتح القديم كما ألغيت تاريخية سماهيج من قبل وذلك بتبديل اسم المنطقة باسم آخر ؟؟

46 هكتار الى أين ؟
لل46 هكتار قصة ولاندري الى الآن هل القصة حقيقية تأتي من أجل اسعاد المواطن أم خيالية تأتي لتزيد المواطن حيرة وألم ,في فبراير لسنة 2005 كان هناك اهداء من جلالة الملك(6) أرضاً تقدر ب46 هكتار لاهالي المنطقة وذلك خلال لقاء خاص ضم الملك مع وفد من الأهالي لقريتي الدير وسماهيج , ولكن القاطنين بالمنطقة بعد فترة وجيزة والى الآن لم يروا شيئ على أرض الواقع فالبحر دفن والسواحل أغلقت وتضرر الصيادون كثيراً لبعدهم عن السواحل , علماً أن الصحافة تتناقل الأخباروتأكد تارة وتنفي تارة اخرى عن حقيقة الأرض المهداة وعن عدد الوحدات السكنية والأراضي التي سوف توزع على الأهالي .
و لنبض الشارع في منطقة سمادير كلام آخر ينبأ عن مخاوف وهواجس وهناك من هو متفاؤل ومن هو محبط ومن مصدق بحذر ومن مكذب للخبر حتى ان البعض لم يكترث بهذه الوعود ويسميها بالاكاذيب والخزعبلات والأحلام الوردية .
ولعل آخر فعالية أقيمت للمطالبة بمشروع اسكاني للمنطقة الإعتصام الذي نظمه الأهالي يوم الجمعة بتاريح 2ديسمبر2006 , وأخبار تفيد عن زيارات متكررة و مستمرة لأعضاء لجنة المتابعة وذلك لملاقاة المسؤولين بالحكومة للإستفسار عماوصلت اليه الامور بالنسبة للمشروع الإسكاني ولازالت الضبابية مخيمة على هذا الأمر ومما أربك خيوط القصة لصحة مصداقيتها تحول رقم الهكتار من 46 الى 38 لمساحة المخطط على عكس سعر القسيمة السكنية بالمنطقة الذي يزيد ارتفاعه في البورصة يوماً بعد يوم!
والسؤال المطروح هل الأرض المهداة لأهالي سماهيج والدير موجودة أم ابتلعها متنفذوا السواحل ؟ وإذاكانت الأرض موجودة هل ستكون لصالح الأهالي مائة بالمائة أم للحوت نصيباً منها ؟ وإذا بنيت الأرض هل ستوزع على المستحقين بانصاف ام سيكون للغرباء والمجنسين دخلاً آخر ؟ وهل سيكون تسميتها لامتدادها الطبيعي أم ستكون ( ضحية ) أخرى من ضحايا القرى ؟.

معاناة ومطالب سماهيج :
لعل هم السكن والمأوى يتصدران قائمة مطالب الاهالي(7) في سماهيج فمنذ عقود من الزمان لم تشهد منطقة سماهيج مشروع اسكاني ولم تحضى بالاهتمام والتعمير مثل بقية مناطق المحرق التي شهدت تمدد ماعدا قرية الدير التي تشابه جارتها في المحنة , كما أن الحاجة الماسة لتطوير الأحياء القديمة وبناء البيوت الآيلة للسقوط مع المحافظة على الطابع التقليدي لها أصبح أمراً ضرورياً للغاية.

هناك كم هائل من القضايا والمشاكل التي تعاني منها القرية أهما ضعف البنية التحتية وسوء التخطيط للشوارع والطرقات وسوء شبكات المجاري والصرف الصحي , وافتقارها الى المرافق العامة من مكتبة عامة ومركز اجتماعي وتفتقر سماهيج أيضاً الى حديقة عامة ومتنزه ساحلي حيث البحر والنخلة يمثلان علامة بارزة من تراث سماهيج ولهذا من الصعب بقاء قرية عريقة كسماهيج بدون ساحل يرتاده الأهالي للتنزه والراحة على الأقل تعويضاً لهم لما فقدوه من سواحل , كما أن هناك الكثير من الاحتياجات الاجتماعية والخدماتية التي تفتقر اليها القرية مما يضطرالأهالي للخروج الى المناطق المجاورة للاستفادة منها , ولايفوتنا أن نذكر معاناة صيادي الأسماك ووضعهم الصعب جراء التغيير الحاصل للسواحل وصعوبة تنقلهم من والى مراكبهم على ان تهتم بهم الدولة بتطوير مرفأ رأس رية وتقديم الاحتياجات من أمن وسلامة .

قرى تحتضر:
يقولون لاتتحدث بعاطفة جياشة تحدث بعقلانية , لكنني لاأستطيع أن أقفز وأكذب على عقلي واحساسي فالعاطفة والعقل متحدان في ذلك فالعقلانية للذاكرة والتاريخ -والعاطفة لحقيقة الواقع المتردي فمهما تحدثت عن سماهيج اليوم فالنتيجة هي أشبه بأخواتها في الأرخبيل ولهم صفات مشتركة في الهم الوطني .

والواقع التي تتحدث عنه السلطة في الخارج عن التنمية الحضرية صفر على الشمال في قبال الواقع المعاش في البحرين , ويمكن للأمين العام للأم المتحدة السيد بان كي مون أن يأتي زائراً ليرى التنمية عن كثب كيف كانت وتكون فالحالة المعيشية مزرية وقاهرة لشعب أنهكته جراحه .

قرى بنيتها التحتية قديمة أكل عليها الدهر , قرى تحتضر تستغيث وتنادي أنني مهملة مغيبة مهمشة ومنسية ! قرى كتب عليها ان لاتشهد امتدادها وان ترى نهايتها جغرافياً ! ولكن الاخطر في ذلك القيام بإخفاء وتغييب وتزييف التاريخ لأمجاد هذه القرى (أرضنا – أي أرض البحرين - كانت مليئة بعمالقة من العلماء ممن يفتخر بهم، وترتبط عناوينهم بالقرى والمدن المختلفة. تقرأ هذه العناوين في تراجم الرجال، والعلماء الكبار: المقابي، البلادي، الغريفي، الجدحفصي، الدمستاني، الماحوزي، التوبلاني، الدرازي وعناوين أخرى مماثلة، وكل هؤلاء سيذهب تاريخهم أدراج الرياح، وستضيع شخصياتهم لتبديل أسماء القرى والمدن، فبعد حين سيكونون مجهولين، وأنهم من البحرين أم ليسوا منها، وسينكر أن تاريخ البحرين كان تاريخ أفذاذ من أمثالهم.)(8)

وبهذه النتيجة من الطمر وتغييب معالم القرى من على خارطة البحرين أصبح الأرخبيل كله في خطر إزاء المشاريع والمخططات الجديدة لدفن البحر والاستحواذ على السواحل والجزر , أبعد هذا الخطر تعطى الجوائز الشرفية في الابادة الثقافية والحضارية ؟ بتغييرهوية الأوطان والشعوب ويسمى ذلك بتنمية حضرية للدولة ؟
____________________

المصادر:
1-كتاب سماهيج في التاريخ
2-لؤلؤة البحرين
3-سماهيج في التاريخ
4-مجلة الوثيقة عن مركز الوثائق التاريخية بدولة البحرين
تصريح للشيخ عبدالله بن خالدآل خليفة.
5- خطبة الجمعة رقم (296)
6- بيان أعضاء لجنة المتابعة
7- صحيفة الأيام البحرينية - 17/2/2005
8- خطبة الجمعة رقم (296)

________________________
نشرة الوفاق- عدد 52- 2007

الاثنين، 28 ديسمبر 2009

تزويرالتاريخ

بقلم-جعفريتيم
لاتزال عقدة الترضي والترحم على يزيد بن معاوية جارية الى الآن عند بعض الناس المحسوبين على المسلمين ,وهذه المسألة ليست وليدة فترات تاريخية قريبة بل ان لها جذور تاريخية قديمة ضاربة في أعماق التاريخ الإسلامي ولعل أهم أسباب نشأتها ووجودها هو الإعلام الاموي المعادي لأهل البيت عليهم السلام ,هذه المسألة ومنها العديد من القضايا تكشف لك بوضوح عن شيئ دبر بليل أليل وبخفاء وبهندسة ملتوية مفادها تضليل المسلمين عن الحق والحقيقة وهو ما يندرج تحت خانة التزوير والتدليس على عقول وضمائر الناس ,ومن هذا المعنى كما يرى الدكتور صائب عبدالحميد أنها من ضمن العوامل المؤثرة السلبية في تدوين كتابة التاريخ والذي يطلق عليها مصطلح ( الثورة الثقافية العكسية ) تحت خلط الباطل بالحق وتبديل المعروف بالمنكر لأغراض سياسية ودينية في مجموعة من الوسائل الخبيثة المعروفة التي اتبعتها السلطة الحاكمة لبني أمية ومن سارعلى نهجهم في التدوين من خلال الإيعاز لخطباء وعلماء السلطة في نسج الاخبار الكاذبة ليصقلوها في الصحابة بهالة من القداسة .
هذه الشخصية معروفة تاريخياً لدى أكابر قادة المسلمين على انها شخصية مفسدة وفاسدة الا ان البعض لايزال في عناده القديم يتقرب الى الله بالترضي والترحم على هذه الشخصية ويسبغ عليها أجمل الصفات والاخلاق الحميدة ضارباً كل الشهادات والنصوص الدالة على ظلمه وفسقه وفجوره في أبشع فواحشه بقتل الإمام الحسين (ع) بل أن الإنتمائات العقائديه لم تتوان بالدفاع عنه باثبات عدالته في بعض الكتابات مثل (أمير المؤمنين يزيد بن معاوية)(يزيد بن معاوية الخليفة المفترى عليه )وهو مايزيد تزوير على تزوير لحقيقة هذه الشخصية لتكون إحدى المسلمات لدى بعض المسلمين,ولكي لاتتعجبوا يوماً إن سمعتم مقولة سيدنا قتل سيدنا فإنها إحدى مخلفات هذا التزوير التاريخي التي أصبحت من معايير الصحبة وذات بعد منطقي وفلسفي لمحاولة الخروج والتغطية .
18-12-2009 -2 محرم 1431هـ
 
 
نشرت في صحيفة سماهيج الألكترونية